في طرحٍ إنساني لافت، أعادت الإعلامية الصومالية فاطمة وريا تسليط الضوء على معاناة جيلٍ كامل من أبناء الصوماليين المولودين في دول الخليج العربي والغرب، خلال مشاركتها في برنامج “حكاية إفريقية جديدة” عبر منصة شبكة الجزيرة الإعلامية، الذي يقدمه الإعلامي أحمد ولد فال. وقدّمت وريا سردًا يعكس تعقيدات الهوية والانتماء التي يعيشها هؤلاء الشباب، في ظل واقع قانوني واجتماعي متقلب.
وتوقفت وريا عند إشكالية ما يمكن تسميته بـ“الانتماء المؤجل”، حيث ينشأ هؤلاء في بيئات جديدة، يتقنون لغاتها، ويندمجون في مدارسها ومجتمعاتها، لكنهم يظلون في نهاية المطاف مهددين بفقدان هذا الاستقرار، نتيجة لقيود الإقامة والعمل. وعند بلوغهم سنًا معينة، يجد كثير منهم أنفسهم مضطرين لمغادرة البلدان التي اعتبروها أوطانهم، والانتقال إلى الصومال، الذي لم يعرفوه إلا من خلال روايات العائلة وذكريات الماضي.
وفي سياق حديثها، انتقدت وريا الطريقة التي تُقدَّم بها صورة الصومال في بعض المنصات الإعلامية، مؤكدة أن “إعطاء المنبر لمن يدمّر ويسفك الدماء يظلم البلاد، بينما تسليط الضوء على من يبني ويُصلح ينصفها”. وتعكس هذه العبارة دعوة واضحة لإعادة صياغة السردية الإعلامية حول الصومال، والتركيز على النماذج الإيجابية القادرة على إلهام التغيير.
وتُظهر تجربة فاطمة وريا، التي نشأت في بيئة عربية إسلامية، كيف يمكن للاندماج الثقافي أن يكون عميقًا من حيث اللغة والعلاقات الاجتماعية، لكنه يظل هشًا من الناحية القانونية.
هذا التناقض يضع أبناء الجاليات أمام واقع معقد، حيث تتقاطع مشاعر الانتماء مع قيود الإقامة، فينشأ شعور بالاغتراب المزدوج: انتماء لوطن لم يُعاش، وحنين لمكان لا يسمح بالبقاء.
ويواجه هذا الجيل تحديات كبيرة عند العودة إلى الصومال، من بينها صعوبة التأقلم مع بيئة جديدة، واختلاف أنماط الحياة، وأحيانًا فجوة في اللغة أو الثقافة المحلية. ومع ذلك، يحمل هؤلاء الشباب إمكانات كبيرة، نظرًا لما اكتسبوه من تعليم وتجارب متنوعة في مجتمعات مختلفة، ما يؤهلهم للعب دور مهم في دعم جهود التنمية وإعادة البناء.
وتتجاوز هذه القضية بعدها الفردي لتطرح تساؤلات أوسع حول سياسات الدول تجاه أبناء الجاليات، وضرورة إيجاد حلول تراعي الأبعاد الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب الاعتبارات القانونية. كما تبرز الحاجة إلى سياسات أكثر شمولًا تُسهم في الحفاظ على استقرار هؤلاء الشباب، وتمنحهم فرصًا حقيقية للمشاركة في المجتمعات التي نشأوا فيها.
وفي المقابل، يظل الصومال أمام فرصة للاستفادة من هذا الجيل، من خلال استيعاب طاقاته، وتهيئة بيئة ملائمة تُمكّنه من الإسهام في بناء المستقبل. فهؤلاء لا يحملون فقط ذكريات الاغتراب، بل يمتلكون أيضًا أدوات العصر، ورؤية تتجاوز آثار الحروب والصراعات.
في المحصلة، يشكل هذا الجيل حالة فريدة بين عالمين، لكنه أيضًا يمثل جسرًا ممكنًا بينهما. وإذا ما أُحسن توظيف قدراته، يمكن أن يتحول “الانتماء المؤجل” من عبء نفسي واجتماعي إلى قوة دافعة نحو التغيير، تفتح آفاقًا جديدة أمام الصومال في مسار الاستقرار والتنمية.
إعداد: عبدالعزيز نور عابي

