السياسة حين تتطهّر بالتصوف
رؤية صوفية لبناء الدولة في كتاب «وليّ الزمان»
مقدمة
غالبًا ما تُقدَّم السياسة بوصفها مجالًا للصراع، والمصالح، والمكر، بينما يُقدَّم التصوف بوصفه انسحابًا من الواقع وانشغالًا بالباطن. غير أن هذه الثنائية مضلِّلة؛ فالتاريخ الإسلامي، بل والإنساني، يثبت أن السياسة حين تنفصل عن القيم تتحول إلى أداة قهر، وأن التصوف حين ينفصل عن الشأن العام يتحول إلى عزلة سلبية.
من هنا تأتي فكرة «وليّ الزمان» بوصفه نموذجًا جامعًا: حاكمًا أو قائدًا أو مصلحًا، يتطهّر بالتصوف دون أن يهرب من السياسة، ويمارس السياسة دون أن يتلوث بها.
أولًا: معنى تطهير السياسة بالتصوف
تطهير السياسة لا يعني تحويل الدولة إلى زاوية، ولا الحكم بالأوراد بدل القوانين، بل يعني:
إدخال الأخلاق في مركز القرار.
ضبط النفس الحاكمة قبل ضبط المجتمع.
جعل العدل عبادة لا مجرد إجراء إداري.
التصوف هنا ليس طقوسًا، بل منهج تهذيب يمنع السلطة من التحول إلى طغيان.
السياسة بلا تصوف = قوة بلا ضمير
والتصوف بلا سياسة = ضمير بلا أثر
ثانيًا: وليّ الزمان… نموذج الدولة الأخلاقية
في رؤية كتاب وليّ الزمان، لا يكون الولي معصومًا ولا منزَّهًا عن الخطأ، لكنه:
يقدّم الأمانة على الغنيمة
يرى الحكم تكليفًا لا تشريفًا
يخاف من الظلم أكثر مما يخاف من الخصوم
وليّ الزمان لا يحكم لأنه الأقوى، بل لأنه الأصلح أخلاقيًا في لحظة تاريخية مضطربة.
ثالثًا: أمثلة تاريخية على السياسة المتطهّرة
عمر بن عبد العزيز
لم يكن صوفيًا بالاصطلاح، لكنه كان زاهدًا في السلطة، عادلًا في الحكم، فصارت الدولة في عهده أقرب إلى مثال الولاية السياسية.
الشيخ عبد القادر الجيلاني
لم يحكم دولة، لكنه حكم القلوب، وكان صوته أقوى من السلاطين، لأن السياسة حين تخضع للأخلاق تخشى صاحبها.
السنوسية في ليبيا
نموذج جمع بين التصوف والتنظيم السياسي والاجتماعي، فبنى دولة مقاومة للاستعمار، أساسها الأخلاق والانضباط.
المهدية في السودان (في بداياتها)
حين كانت الروح حاضرة، وحين غلب المعنى على السيف، استطاعت تعبئة المجتمع قبل أن تنحرف حين غاب التوازن.
رابعًا: أمثلة معاصرة (بالمقارنة)
الدولة الحديثة بلا قيم:
تملك مؤسسات قوية، لكنها تعاني من الفساد، وانعدام الثقة، والانفجار الاجتماعي.
الحركات الروحية المنعزلة:
تملك نيات صالحة، لكنها عاجزة عن التأثير لأنها تهرب من السياسة بدل إصلاحها.
الرؤية الصوفية لا تنحاز لأيٍّ من الطرفين، بل تقول:
أصلِح القلب… ثم أدِر الدولة.
خامسًا: كيف يبني التصوف دولة قوية؟
يمنع تقديس الحاكم.
يحدّ من جنون السلطة.
يجعل المسؤولية مراقبة ذاتية قبل أن تكون قانونية.
يحوّل الولاء من الأشخاص إلى القيم.
يقلّل العنف لأن الحاكم لا يرى نفسه فوق الناس.
خاتمة
السياسة حين تتطهّر بالتصوف لا تضعف، بل تشتد؛
لأن القوة التي لا يضبطها الضمير تنهار،
ولأن الدولة التي يحرسها العدل أطول عمرًا من الدولة التي يحرسها السلاح.
في كتاب «وليّ الزمان: رؤية صوفية لبناء الدولة»، ليست الولاية بديلًا عن الدولة، بل روحها، وليست السياسة عدوة للتصوف، بل ميدانه الحقيقي.
الكاتب والباحث في التصوف والفلسفة والسياسة.الدكتور حسن البصري
















