في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها الصومال، تبرز حقيقة لا يمكن القفز عليها: لا يمكن لأي مسار سياسي أن يحقق الاستقرار دون مرجعية واضحة وقيادة مركزية تتحمل المسؤولية كاملة. فالدول لا تُدار بتعدد مراكز القرار، ولا تُبنى عبر التوافقات الهشة التي تتبدد عند أول اختبار، بل عبر مؤسسات شرعية تمتلك التفويض والقدرة على الفعل.
لقد أظهرت التجربة الصومالية خلال السنوات الماضية أن إطالة أمد الخلافات بين الفاعلين السياسيين، والانشغال بصراعات النفوذ، كان لهما أثر مباشر في إضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل مسار التنمية. وفي المقابل، فإن أي تقدم ملموس تحقق كان مرتبطًا بقدرة الحكومة الفيدرالية على فرض قدر من الانسجام المؤسسي وتوجيه الجهود نحو أولويات وطنية واضحة، وفي مقدمتها الأمن، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات الأساسية.
إن الحكومة الصومالية الفيدرالية، بوصفها الكيان الشرعي المعترف به داخليًا ودوليًا، تتحمل مسؤولية قيادة البلاد في هذه المرحلة الدقيقة. وهذه المسؤولية لا تقتصر على إدارة الشأن اليومي، بل تمتد إلى معالجة جذور الأزمات المزمنة، وعلى رأسها إشكالية تقاسم السلطة بين المركز والأقاليم، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة، وبناء نظام سياسي متماسك قادر على الصمود أمام التحديات.
غير أن دعم الحكومة لا يعني منحها شيكًا على بياض، بل يتطلب في الوقت ذاته ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة، وضمان أن تكون قراراتها معبرة عن المصلحة الوطنية لا عن حسابات ضيقة. فالقوة الحقيقية لأي حكومة لا تُقاس بمدى سيطرتها، بل بقدرتها على بناء توافقات مستدامة، واحتواء الخلافات ضمن إطار مؤسسي يحفظ وحدة الدولة.
كما أن على الأطراف السياسية الأخرى، سواء على مستوى الأقاليم أو القوى الحزبية، أن تدرك أن إضعاف الحكومة المركزية لا يخدم سوى تعميق الأزمة. فالتنافس السياسي مشروع، بل ومطلوب، لكن حين يتحول إلى تعطيل مؤسسات الدولة أو تقويض سلطتها، فإنه يهدد الكيان الوطني برمته. ومن هنا، فإن المسؤولية مشتركة، لكن القيادة يجب أن تبقى بيد الحكومة الفيدرالية باعتبارها الجهة المخولة دستوريًا بإدارة شؤون البلاد.
إن الصومال اليوم أمام مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة الخلافات التي تستنزف طاقاته، أو المضي نحو مرحلة جديدة عنوانها وضوح القرار ووحدة القيادة. ولا شك أن الخيار الثاني يمر حتمًا عبر تمكين الحكومة الفيدرالية من أداء دورها الكامل، ودعمها في مواجهة التحديات، مع إلزامها في الوقت ذاته بمعايير الحكم الرشيد.
في النهاية، لا يمكن بناء دولة مستقرة دون مركز قرار واضح، ولا يمكن تحقيق التنمية دون سلطة قادرة على التنفيذ. والصومال، الذي دفع ثمنًا باهظًا لغياب الدولة، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى تعزيز دور حكومته الفيدرالية كقائد فعلي لمسار الخروج من الأزمات وبناء مستقبل أكثر استقرارًا.

