تقع الصومال في منطقة القرن الإفريقي، وتسكن فيه قومية يجتاز عددها الملايين، وهي تنتسب إلى الأمة العربية مع وجود رأي يأبى هذا الانتساب، والشيء الذي يوحد هذه الأمة هو أن كل أفرادها يعتنقون الإسلام بالجملة!.
وقد دخل الإسلام في الصومال منذ أزمنة بعيدة من جهة الخليج العدني من قبل التجار اليمنيين المسلمين، وكانو يتعاملون مع الصوماليين بهذا الدين الحنيف طوال تواجدهم، كل المعاملات المدنية والمالية، بيعا وعقد نكاح والمصالحات بين القبائل.
ثم جاءت عليها عصور دهماء، عمت الخرافات جميع الوطن، ما أدى بطمس التراث، فضيعوا الإسلام وتركوه، إلى قوانين جاهلية وضعوها لأنفسهم، وقد وضع هذه القوانين مشايخ القبائل الذين لا يميزون الصالح من الطالح، ولايميزون الموجود من المفقود، ووضعهم لهذا لا يعني أنهم سجلوا دواوين، بل إنهم ألفوا شعارات وعبارات قصيرة يتهافتون بها، تركوا أصول الإسلام وتعاليمه وأسسه، فضلا من تعليمه التدريسي، ووقعت جراء ذلك الكوارث الدينية، من حيث لا يجد الشخص من يفتي له في المسائل الدينية والنوازل الفقهية، كل يستفتي قلبه ولو أفتاه الناس، تركوا الاعتقاد الصحيح إلى الخرافات الممقوتة…
وكانوا يقتتلون بين الأفراد والطوائف والقبائل؛ ولم يكن لديهم أي تعليم مادي ولا حضارات ينتمون إليها، ليست لديهم استراتيجية سياسية، ولا تفكير إقتصادي، فقط كل شخص يفكر في مصالحه الشخصية الخاصة، والقبيلة كذلك تفكر في الإستيلاء على مواشي القبائل الأخرى وحوزتها، وكانوا لا يستطيعون إستشراف مستقبلهم، يعني كانوا أمة جاهلة، لا تتميز عن الجاهلية الأولى التي كانت قبل نبينا بشيء إلا أنها تنتمي إلى الإسلام في المبدإ دينا!.
الصومال وأيديولجتها العقدية:
كان لدى الصومالين إعتقاد راسخ، يرثونه أبا عن جد، وكان لديهم إسلام مشوب تخالطه أمور، من حيثية الأصول والفروع، هم يقرون أن “لا إله إلا الله” وبنفس الحين لايعبدون الله وحده، ولا يستعينون به وحده ولا يتعوذون به وحده، بل يمزجون بإعتقادهم بالله إعتقادهم في مشايخهم وأجدادهم الذين صاروا عظاما بالية!.
قد غلب عليهم الطابع الصوفي، الذي عم جميع أنحاء البلاد، وهؤلاء الدراوش لديهم الخرافات سجية، وكان أيضا لديهم من -الفضائل- الأوراد اليومية، وكثرة العبادة والزهد من الدنيا والتقشف فيها؛ وقد سلّم الله الأمة من الهلاك والضياع بهؤلاء العلماء، لسبب التضحية والإخلاص الخارق، وكانوا ينشرون تعليم القرآن الكريم بين الأهالي، ولكل حيٍّ شيخهم ومدرسهم الذي يعلم الأطفال؛ وهو يحصّن مواشيهم من إبل وغنم وغيرها بالتعاويذ، فهم لا يدرسون عقيدة ولا يبحثون عن صحيحها، بل يتبعون ما يفتي به الدراوش جملة وتفصيلا، من غير تنقيح ولاتدقيق، لأنهم لا يعرفون سوى ذلك.
الصومال والفروع الفقهية:
المذهب الفقهي الذي كان ينتسب إليه الصوماليون قديما وحديثا هو مذهب “الإمام الشافعي ” انتسابا شعوريا، لأنهم لم يكونوا يتعمقون في دراسته، وما كانوا يلتزمون به في معاملاتهم المدنية والمالية.
ملامح حول هذه القضية:
مرت الأمة الصومالية بعصور لا يعرفون العبادة، وكان فيهم القليل من الذين يصلون الصلاة الواجبة عليهم، كان يصلي الشيخ الهرم، ومن تقدم به السن، أما الشباب والذين هم في ريعان عمرهم ماكانوا يعرفون صلاة ولا عبادة، بل من يصلي وهو شاب كانو يعجبونه ويقولون به شعارات وعبارات مرعبة به مثل ” سوف يموت، قد اتصل عليه ملك الموت ، سوف يعجز جسمه عن الحركة والنشاط، أو أنه قد سُحر، أصابه مس من الشيطان ” وغير ذلك من الكلمات الشنيعة وكانت لديهم هذه العادة القبيحة.
أما الصوم فقليل من يصومونه، فهم لا يعرفون شهر الصوم ولا يهتمون لطلوع هلاله ولا الساعة التي يفظر فيها الصائم، إلا المشايخ ذووا السن الكبير، تماما كما كان الحال في الصلاة. والحج ما كان لدى كثير منهم الراحلة ولا الزاد الكافي، وأما الذين يقدرون منهم فما كانوا يعتنون به لأنه ليس لديهم الإيمان القوي الذي يدفع صاحبه إلى الرحلة لزيارة بيت الله الحرام، والذي حج منهم وذهب إليه يصبح اسم شهرته، ولقب مدحه، وميزة شرفه (الحاج) كناية عن غناه وكثرة ماله. مع أنهم كانوا ستمتعون بحب الإسلام وشعائره، ويحبذون المواسم التي تمر بهم، ولكنهم فقدوا من يوجههم إليه ومن يأخذ بأيديهم إلى الخيرات والسعادات والبركات.
وأما عن المرأة الصومالية فكانت لا تعرف الحجاب وتغطية البدن، وستر جميع عورتها، مع أن المقرر في مذهب السادة الشافعية أن جميع جسم المرأة عورة ما عدا الوجه والكفين، وكان لدى الدراوش الصوفية فهم خاطئ في هذه المسألة ويمنعون المرأة من الحجاب، ويلعنون المرأة التي يرونها بهذا الحجاب المغطي لجميع البدن، ويسبونها.
الصومال وتحكيم شريعة الله:
من الثوابت القطعية في الإسلام التحاكُم إلى دين الله وشرعه حيث وضح الله في كتابه الكريم مرات عدة، إلى وجوبها، وتكفير من يأباها واختار غير دين الله حكما، قال الله سبحانه (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) وعاب الله وذم من يحتكم إلى غير دينه من المنافقين والفسفة والمجرمين (فلا وربك لا يؤمنون حتي يحكمونك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) حيث نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان الكلي عنهم.
يدل على كبر حجم المسألة وأنها ليست سهلة وفي مكاننا هذا لا نتناول تفسير الآيات ووجه الاستدلال ولا ترجيح الخلاف، فهذا يحتاج إلى بحث عميق وتحليله يتطلب فهما واسعا، فقط نشير إلى أنه من الكفر البين من اعتقد أن قوانينه الوضعية ودساتيره المسجلة. هي أحسن من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. والأمة الإسلامية تعاني من هذا الداء، فكلها تركت تحكيم الشريعة واستبدلته بقوانين وضعية ما أنزل الله بها من سلطان، والصومال قديما وحديثا مازال يحكمها أبناء القوانين الذين يحنون إلى تقليد الغرب أو الشرق بمبادئ الجاهلية. نسأل الله السلامة والتوفيق.
الصومال والمواجهات العشائرية :
قد جعل الله سبحانه وتعالى الناس شعوبا وقبائل من أجل التعارف وصلة الرحم وحفظ أنساب الناس؛ حيث قال الله: ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ): يعني ليس هناك فضل لعربي على عجمي ولا فضل لأعجمي على عربي، وليس هناك فضل قبيلة على قبيلة أخرى، فقط معيار التفاضل بين الناس هو {التقوى) وأما من زعم غير ذلك فهم غير معتبرين ويدعون شيئا ما أنزل الله به من سلطان.
وفي الوقت نفسه إن الله حرم على المؤمن قتل المؤمن، فقال الله تعالى: 《 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما، وقد رتب على إراقة دم المؤمن عقوبات وآثام بعضها أشد من بعض، ومع كل هذه النصوص التى يجري عليها الإسلام ما ردعت ضمير الصومال القبلي عن شيء؛ لأنهم مادرسوا هذا الدين دراسة متقنة، فكل شخص يرى أن قبيلته وطائفته هي المقدسة التي لا تخالف الحق ولا يدخل فيها الباطل، وماعدا قبيلته فيجوز أن تخالف الحق وبالتالي فهي مباحة الدم والمال والعرض، وبقتله لأخيه المسلم يكتسب الرجولة والبطلية!.
الصومال والعلم المادي :
تقع الدولة الصومال في منطقة مباركة وفي نعيم باهر، هي بلدة غنية بكل المواد الغذائية، يعتبر سلة عذاء العالم، وتتوفر فيه المواد الخامة المستعملة؛ لتدبير شئون الكون من نفط في جوف أرضها ومساحات من البحار تمتد على طول مسافة الوطن، وأنهار جارية بالمياه العذبة معظم السنة، وأرض زراعي خصبة صالحة للإستثمار والإستنتاج، ومع ذلك كله فهم لا يستفيدون من هذه الثروات ولا يستغلون تلك المواد من النعم والمنن التي قد منّ الله بها عليهم . وقد يكون الإستفادة من هذه النعم من جانبين:
1- تعليم العلوم المادية التي تتعلق بهذه الأمور التي ليست باستطاعة الشخص أن يستنتجها إلا إذا تعلم العلوم المتعلقة بطبيعة الكون وإخراج المواد.
2- تطبيق هذه العلوم والقواعد من قِبَل متعلميها: فالصوماليون الذين اغتربوا للتعليم، وتعلموا العلوم الكونية وتخصصوا بها، وكان عليهم أن يرجعوا إلى البلد ويفيدوا الناس مما تعلموه ويطبقوه على واقع بلدهم، قد تبلدوا من هذه القضية، وأصبحوا متناسين لها، فبعضهم ما رجعوا إلى البلاد، وبعضهم استكبروا عن مباشرة هذه الأعمال الشاقة ظنا منهم أنها لا تليق بمستوى شهاداتهم ودرجاتهم العلمية العليا، فضيعوا أنفسهم وضيعوا البلاد.
فهناك قسم ثالث وهم مستعدون لأن يعملوا بعلمهم، ولكن ليست لديهم الإمكانيات والتسهيلات والآلات التي يعملون بها، فهذا الضياع جاء من قبل الحكومة المركزية؛ لانشغالها بصراعات داخلية أدت إلى سقوطها في نهاية المطاف. الصومال والسياسة الإستراتيجية: كان الصوماليون في الأزمنة المتقدمة بدائيين، وأغلبيتهم من رعاء الإبل والغنم رحلا في الأرياف والبواد النائية، ولا يعرفون التمدّن ولا التحضّر، وثقافتهم متصلة بالمواشي والمراعي، والريّ.
والدولة الحديثة لدى المفكرين والمحللين -اليوم- تقوم على عناصر ثلاثة:
1. أن يوجد قطعة أرض يسكن الناس فيها، ومساحة تسد حاجتهم.
2. أن يوجد مَن يسكن في هذه القطة من الأرض، تصلح أن تكون شعبا محكوما.
3. أن يوجد قيادة حاكمة، في تلك القطعة.
كل ذلك موجود عند الصوماليين، وذلك يدل على أن لديهم دولة، وإن كانت القيادة ضعيفة أو عاجزة أحيانا. وأما استراتيجيتهم وإدارتهم المستقبلية فليست مضبوطة ومطمئنة؛ لأن أغلبيتهم من البادية ومن مضارب الخيام، وأهل البدو دوما لا يتقيدون بالنظام والحكم، فهم يحبون الحرية والفضاء الواسع، والفوضى في الحكم، لذا فرضت هذه الروح على الصوماليين عقودا من اللانظام وانهيار كل مقومات الدولة الصومالية، وإن كان هذا لا يكفي مبررا للفوضى؛ لأن كل أمة متقدمة كانت يوما بدوية متدهورة، ولكن الصوماليين اعتقدوا أنهم خلقوا للعشوائية في السياسة والإدارة، والحكم والقضاء! اللهم ألهمنا برشدك وحقق أمنياتنا… آمين.

