العلمانية التأويلية مقابل العلمانية التقليدية.
تعارض كثير من الجماعات الإسلامية مفهوم العلمانية بمعناه الشائع في السياق الغربي بوصفه فصلا بين الدين والسياسة، بل وبين الدين ومجالات الحياة العامة في بعض تصوّراته المتشددة. غير أنّ بعض هذه الجماعات تمارس أحيانا نمطا مغايرا من العلمانية يمكن تسميته بالعلمانية التأويلية، حيث يعاد تأويل النصوص الدينية بما يخدم أغراضا سياسية ودنيوية محددة.
وفي هذا السياق لا يجري فصل الدين عن السياسة، بل على العكس تُديَّن السياسة ذاتها، وتكسى المصالح السياسية – بل والعشائرية والطائفية والحركية -لباسا دينيا، فتبدو وكأنها ناتجة عن استنباط شرعي، ومؤسّسة على قواعد فقهية عامة مثل المصلحة والمقاصد. وهكذا تحلّ العلمانية التأويلية محلّ العلمانية الصريحة، دون إعلان قطيعة واضحة بين المجالين. وعلى خلاف العلمانية الغربية التي تقوم على فصل معلن ومتوافق عليه بين الديني والسياسي، تتسم هذه الممارسة بدرجة عالية من الغموض والضبابية؛ إذ تتخذ موقفا نقديا صارما من العلمانية على مستوى الخطاب، بينما تتبناها عمليا عبر آليات التأويل الديني.
ويتجلّى هذا بوضوح في مواقف بعض الجماعات الإسلامية عندما تصل إلى السلطة؛ إذ يتحول ما كان يُعدّ منكرا يجب النهي عنه في مرحلة المعارضة إلى معروف أو على الأقل إلى مصلحة يجب القيام بها، حين تصبح هذه الجماعات في سدة الحكم. ويتم تبرير هذا التحول عبر توظيف انتقائي لقواعد فقهية من قبيل: الضرورة تبيح المحظورات، وتحقيق أخف الضررين، ومراعاة المصلحة الشرعية، وتقديم جلب المصلحة على دفع المفسدة، وغيرها من القواعد التي يستدعى استخدامها بقدر الحاجة السياسية والسياق العملي.
وفي السياق الصومالي يمكن رصد ملامح من هذه الممارسة في مشاركة بعض الإسلاميين في الحرب الأخيرة بين صومال لاند وولاية شرق الصومال – مع الإقرار بالفارق بين السياقين – حيث جرى تصوير الصراع في بعض الأوساط الإسلامية بوصفه جهادًا شرعيا لإعلاء كلمة الله، رغم كونه نزاعا سياسيا ذا أبعاد عشائرية واضحة. ونلاحظ مثل هذا في تأييد بعض علماء مقديشو لسياسات نبش القبور الحكومية في مقبرة أكاديمية الشرطة، وهي ممارسات كانت تقوم بها حركة الشباب في مناطق سيطرتها .
كما يظهر في موقف بعض الإسلاميين في هرجيسا عقب الاعتراف الإسرائيلي بصومال لاند، اِذْ جاء موقفهم متطابقا مع سياسة الحكومة. وهذا يجعلنا نفهم الغرض من إصراهم الصريح على عدم الحاجة إلى تدخل العلماء الآخرين في شؤون عشيرتهم الدينية،، لأن الخلاف في جوهره سياسي لا فقهي، ويتطلّب إضفاء شرعية دينية على مصالح سياسية لا يمكن تمريرها إلا عبر علماء العشيرة أنفسهم، على غرار المثل (ما حكّ جلدك مثل ظفرك). وكل هذه الممارسات تفقد الدين رسالته الاخلاقية، وتحوّله إلى أداة تعبئة وتبرير، لا مرجعية تقويم وإصلاح.

