القرن الأفريقي في مهب التحولات الجيوسياسية: تقاطع التنافس الدولي والتشرذم الاقليمي
بقلم: عبد الرحمن حاشي-باحث مهتم بقضايا الأمن والقرن الأفريقي
تشهد منطقة القرن الإفريقي اليوم تغيرات دراماتيكية ناجمةً عن تضافر عدة متغيرات كبرى من شأنها أعادة رسم خريطة جغرافيا السياسية للمنطقة، ولم تعد تلك المنطقة مجرد ملتهبة بالنزاعات الاهلية والحروب البينية، بل تحولت الى مسرح لتصادم استراتيجيات القوى العظمى، وطموحات القوى الإقليمية المتوسطة الباحثة عن نفوذ في النظام الدولي، فضلا عن التشرذم المتزايد والهشاشة البنيوية لدول المنقطة.
صراع القوى العظمى ودوافع الجيو—الاستراتيجية
وظلت هذه المنطقة علي مر التاريخ، محط انظار القوى النافذة في العالم بحيث ان الاستحواذ عليها يمنح هيمنة على أحد اهم الممرات المائية، وأكثرها استراتيجية. ولهذا تسابقت كل الامبراطوريات والدول الكبرى—بداء من البرتقال في القرن الخامس عشر الى الهيمنة الامريكية في العصر الراهن –لإيجاد موطئ قدم في هذه البقعة الاستراتيجية. نظرا لهذه الأهمية الاستراتيجية، وخلال الحرب الباردة، اشتد التنافس بين معسكري الناتو ووارسو لفرض هيمنة مطلقة، وحرمان الخصم من أي وجود ملموس. ويقال انه عندما زار الادميرال السوفيتي، سيرغي غورشكوف الصومال في السبعينات القرن الماضي، طلب من مضيفه السماح له بالسباحة في المحيط. وعندما غاص في مياه المحيط قال مازحا: “إذا علم رجال الناتو اننا وصلنا الى المياه الدافئة لماتوا كمدا.” ومع انكفاء الاتحاد السوفيتي وتفككه، وبروز الولايات المتحدة كقوة قطبية أحادية، تراجعت أهمية المنطقة بشكل ملحوظ.
عقب احداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، وما تلاها من “الحرب على الإرهاب “عاد اهتمام المنطقة إلى الواجهة، وتحول الإقليم الى مركز حيوي للقيادة العسكرية الامريكية في إفريقيا (أفريكوم) تجسد في انشاء قاعدة عسكرية في جيبوتي لمراقبة التنظيمات الإرهابية، ولا سيما أن هذه المنطقة شهدت أولى عمليات إرهابية ضد المصالح الامريكية—الهجومين المتزامنين على السفارتين الامريكية في نيروبي بكينيا ودار السلام بتنزانيا. ومع هذا، صار تأثير الولايات المتحدة في المنطقة أخذ في الانخفاض بسبب سنوات من سياسات التشرذم بالمنطقة، وتركيزها المفرط على المقاربة الأمنية، فضلا عن الطبيعة الاستغلالية لإدارة ترمب، والتي تنظر العالم على انه لعبة محصلتها صفر.
وفي المقابل، يعزى الوجود الصيني في منطقة القرن الافريقي الى عدة عوامل جيواستراتيجية واقتصادية؛ في مقدمتها مبادرة الحزام والطريق، وتأمين موطئ قدم عسكري لحماية مصالحها الاستراتيجية، ومواجهة التهديدات التي تمس امن الملاحة وسلامتها في المضائق البحرية. فالصين—بوصفها المصدر والمنتج الأكبر للبضائع على مستوى الاقتصاد العالمي—تري خلو هذه المضائق من أي عائق او تهديدات تعترض انسيابية تدفق التجارة، او الوصول غير المقيد إليهم كسبا اقتصاديا يعزز مكانتها، ويقوي علاقتها مع شركائها الاقتصاديين في المنطقة. تحقيقا لهذه الغاية، افتتحت الصين اول قادة عسكرية لها بجيبوتي، على بعد ميل واحد من القاعدة الامريكية، وضخت مليارات الدولارات في استثمارات شملت الموانئ، وشبكات الطرق، وخطوط السكة الحديدة التي تربط الموانئ الجيبوتية بالداخل الأثيوبي. وفضلا عن ذلك، يندرج الوجود الصيني في منطقة شرق افريقيا ضمن سياق التنافس بين الدول الكبرى حيث يسهم ترسيخ حضورها بقائها في سحب بساط النفوذ من تحت الولايات المتحدة.
طموحات القوى المتوسطة وديناميات الانشقاق الهيمني في القرن
والى جانب هذا التنافس بين القوى العظمى، تشهد المنطقة اهتماما متزايدا من قبل قوى إقليمية متعددة مثل تركيا، والسعودية، والامارات، ومصر، وإسرائيل. فعلى سبيل المثال، يعود التمدد التركي في المنطقة الى صعود حزب الحاكم وتبنيه سياسة “الانفتاح على افريقيا” عام 2002م، والمستندة الى “مفهوم العمق الإستراتيجي” الذي ينظر الى العلاقات الدولية بوصفها عملية ديناميكية تجبر الدول على تبني سياسات قائمة على رؤية مستقبلية؛ اذ لا يمكن لتركيا—وفق هذا الطرح—ان تظل دولة هامشية، بل يجب ان تحتل مكانة مركزية على الساحة السياسية العالمية. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الوجود التركي في منطقة شرق افريقيا خاصة والقارة عامة بوصفه بديلا استراتيجيا تدفعه دوافع اقتصادية، وعسكرية، لاسيما بعد انسداد افق الانضمام الى الاتحاد الأوربي، والذي كان سيشكل فرصة اقتصادية هائلة وسوقا مربحا للسلع والتجارة التركية.
ومن ناحية أخرى، يتحدد وجود دول الخليج في القرن الافريقي عبر سياسات متباينة ومتصادمة في بعض الأحيان. فبينما تحرص المملكة العربية السعودية على تحجيم نفوذ الإيراني والشيعي في المنطقة، والقيام بدور الوسيط لحلحلة الازمات الشائكة بين الأطراف المتنازعة، تنتهج دولة الامارات سياسة أكثر حزما وإعادة لتشكيل الخريطة السياسية عبر دعم وانشاء ما وصفه بعض الخبراء “العقد الانفصالية”، وهي إدارات تمثل كيانات موازية وتشكل في بعض الأحيان تحديا للسلطات المركزية.
وفي سياق التنافس ذاته، يأتى الحضور الإسرائيلي المتصاعد في القرن الافريقي، خاصة بعد تقاربها واعترافها مع إقليم “صوماليلا ند”، الامر الذي يجعل تقاطع لاعب خارجي تدفعه نية تعظيم الامن مع كيان يسعي الى نيل الاعتراف بالسيادة مزيجا ينذر بتعميق الانقسامات، وفتح الباب واسعا امام حركات انفصالية. ويتجلى السؤال: ما الذي دفع إسرائيل الى اتخاذ هذا القرار، وتغيير نمط تعاطيها التقليدي مع القارة؟
كان التعاطي الإسرائيلي سابقا يقتصر على تقديم دورات عسكرية، وتبادل المعلومات الاستخبارية والدعم الإنساني، وحشد الأصوات في المحافل الدولية، ومراقبة الحركات الإرهابية، وعلاقتها مع التنظيمات الإسلامية في غزة. لكن عقب احداث السابع من أكتوبر، شهد السلوك الاستراتيجي الإسرائيلي تحولا جذريا استجابة لبيئة الأمنية جديدة فرضته ظروف الحرب، وتبعاتها السياسية والدبلوماسية. فقد شعرت إسرائيل بتطويق أمنى وفرض حصار بحري من قبل الحوثين ردا على العمليات العسكرية في غزة. وتبرر إسرائيل اعترافها بالصوماليلاند على انه محاولة لكسر الطوق المفروض عليها، وإيجاد موطئ قدم يتيح لها بالتعامل بالتهديدات على امن الملاحة البحرية المضرة على مصالحها التجارية، بالإضافة الى احباط مساعي تركيا لتوسيع نفوذها في المنطقة، ولا سيما موقع إطلاق الصواريخ الذي يجري بناءها بالقرب من مقديشو، والذي يمثل معضلة امنية حقيقة للاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية على المدى البعيد.
اثار هذا الدور الاقليمي جدلا حول ما إذا كانت هذه القوى المتوسطة تتصرف بناء على اجندات أحادية، ام تنفذا لإملاءات الدول الكبرى. يرى البعض الى ان الساحة السياسية الدولية تعاني اليوم مما يسميه العالم السياسة الأمريكي، جون روجي، بالانشقاق الهيمني (hegemonic defection)، وهي حالة تتخلى فيها القوة المهيمنة عن القواعد والمؤسسات التي بذلتها جهدا جبارا في ارسائها، او تنكفئ على تحقيق مصالح قصيرة الاجل؛ وفي هذه الحالة، فان القوى المتوسطة الواقعة ضمن فلك القوى المهيمنة تجد هامشا لرسم مساراتها الخاصة دون الاكتراث بموافقة الراعي الدولي.
الهشاشة البنيوية والتشرذم الداخلي: بيئة جاذبة للتنافس
وفوق هذا وذاك، تشهد المنطقة تشرذما حادا بحيث يعاني الدول المهمة مثل إثيوبيا والصومال، والسودان هشاشه بنيوية، وعدم استقرار سياسي، ومجموعات مسلحة، وحركات إرهابية، وكيانات سياسية ذات اهداف انفصالية مرتبطة بأجندات مدعومة من الخارج غايتها النهائية انقلاب على السلطة المركزية في هذه الدول، ولولا هذه الهشاشة والانقسامات الداخلية الطافحة على مشهدها السياسي، لما تجد القوى الخارجية منفذا لفرض اجنداتها في المنطقة.
فعلى سبيل المثل، تواجه اثيوبيا –التي تعد الدولة المحورية في المنطقة— تحديات جساما: حركات مسلحة الساعية الى اسقاط النظام في اديس ابابا، والتوترات العرقية التي تهدد التماسك الوطني، وانتهاكات متعلقة بحقوق الانسان، فضلا عن تحديات اقتصادية تثقل كاهل المواطن نتيجة التضخم المتفش وغلاء أسعار المعيشة، وعبئ الديون الخارجية. فمنذ اندلاع حرب تيغراي في نهاية عام 2022م، لم تنعم البلاد باستقرار ملموس حيث تصاعدت المواجهات بين الحكومة المركزية وجبهات مسلحة مثل (جبهة بني شنغول، وفانو، وجيش تحرير الارومو). ورغم اتفاقية سلام بريتوريا بين الحكومة المركزية وجبهة تحرير تيغراي، فان التعثر تنفيذ بنودها، وتبادل الاتهامات أدى الى بقاء المنطقة في حالة من عدم اليقين.
وفي تطور خطير، أعلنت فصائل متمردة، في نهاية شهر سبتمبر الماضي، تشكيل تحالف جديد يهدف الى اسقاط الحكومة في اديس ابابا؛ ويضم هذا التحالف كل من جبهة تحرير تيغراي، وحركة فانو، وجيش تحرير الأورومو، الى جانب عدد من حركات صغرى. وفور صدور اعلان التحالف، فرضت جبهة تيغراى سيطرتها على عدد من المطارات في بعض المدن الكبيرة في المنطقة، مما دفع الحكومة الاثيوبية الى تحشيد الجيش على تخوم تيغراي، وشن هجوما موسعا عليها بغرض دحرها بصورة نهائية، متهمة أطرافا خارجية بدعم هذا التصعيد.
اما الارضاع في الصومال والسودان فلا تقل قتامة. ففي الصومال تتصاعد الازمات الناتجة عن السجال الدستوري حول الولايات الرئاسية والنيابية، والرفض القاطع من المعارضة، وتوتر علاقة المركز امع الولايات، وخطر الحركات الإرهابية، وانتهاء مهام البعثة الافريقية لحفظ السلام، وديناميات الإقليمية التي افرزتها التجاذبات الجيوسياسية العاصفة بمنطقة القرن الافريقي. فبينما تتمسك الحكومة الصومالية بشرعية الخطوات الدستورية لإجراء انتخابات عامة، ترى المعارضة بان تقديم صيغة انتخابية لا تحظى بموافقة الفاعلين السياسيين من شأنها جر البلاد الى اتون الحرب. الجدير بالذكر، ان المعارضة خاضت مواجهات مسلحة ضد قوات الحكومية في العاصمة—وما زال شبح تجدد القتال يخيم على الأجواء—بهدف ضغط الحكومة بقبول التفاوض معهم، والاتفاق على صيغة انتخابية توافقية تفتح المجال مام انسداد الأفق السياسي بالبلاد.
وفي السودان، يستمر الصراع المسلح بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع مخلفا تداعيات خطيرة منذ انطلاق شرارته الأولى قبل أكثر من ثلاثة سنوات. وتشهد الأوضاع تطورات ميدانية وإنسانية بحيث يواصل الجيش السوداني شن غارات وقصف لمواقع الدعم السريع في عدد من المدن، مع استعادة السيطرة على عدة مناطق والمحاور في شمال وغرب كردفان، ودارفور بمشاركة القوات المشتركة المقاتلة الي جانب الجيش. بالإضافة الى ذلك، تواصل قوات الدعم السريع هجماتها بالقصف بالمسيرات، مستهدفة على بعض المناطق والمدن، مع ازدياد وتيرة الانشقاقات التي تطال على صفوف مقاتليها. الى جانب هذا، يتفاقم الأوضاع الإنسانية بالسودان بحيث تصدر المنظمات الأممية تحذيرات تتعلق بحدوث مجاعة، وانعدام الامن الغذائي بمناطق متفرقة من البلاد.
السياسة التبادلية والدور في حلقة مفرغة
السمة البارزة للقرن الافريقي في العصر الراهن هي حلقة التفاعل المتبادل بين التشرذم المحلي والتدخل الخارجي. اذ يسعى القادة المحليون للاستعانة بالقوى الخارجية للحصول على السلاح، والتمويل، والغطاء السياسي لمحاربة خصومه المحليين. وفي المقابل، تحصل القوى الخارجية موطئ قدم بحري، وامتيازات في الموانئ، وكسب الولاء الاستراتيجي لهؤلاء القادة. تؤدي هذه الديناميكية الى تهميش المؤسسات الوطنية والاقليمية مثل الاتحاد الافريقي، واستبدال حل النزاعات على المدى البعيد بسياسات قائمة على المقايضة، وظهور ما يسميه، اليكس دي وال، بالسوق السياسي (political marketplace)، وهي حالة ينحى جانبا، او يلوى عنق المؤسسات الرسمية، والقوانين، والعمل على الدساتير لتقديم عروض متميزة للنخب، وصفقات تكتيكية.
ختاما، لم يعد القرن الافريقي مجرد منطقة سلبية تعج فيها الازمات السياسية والحروب الاهلية، والحروب بين الدول، بل تشهد تجاذبات جيوسياسية متزايدة ستحدد مساراته المستقبلية. فالنخب المحلية، والقوى الإقليمية تساهم بفعالية في تشكيل تحالفات جديدة. ومع اشتداد التنافس بين القوى العظمى، وتأكيد القوى المتوسطة على طموحاتها، تقف المنطقة عند منعطف خطير وحاسم.
وبدون مؤسسات محلية، وبدون قادة تتمتع بالروية الاستراتيجية التي تغلٌب المصالح العليا على المصالح الفردية الضيقة، بالإضافة الى الانقسامات الحادة الطافحة على مشهد السياسي لمعظم دول المنطقة، يظل القرن الافريقي عرضة على عدم الاستقرار بشكل دائم بسبب المصالح الجيوبولتيكبة المتعارضة.

