بمشاركة باحثين من صنعاء ومقديشو: ندوة سياسية تثمن الموقف اليمني من الاستهداف الإسرائيلي لوحدة الصومال
كتب / نجيب العصار
صحفي وباحث سياسي
ندوات- 1 فبراير 2026
نظّم مركز آفاق اليمن للأبحاث والدراسات، في العاصمة صنعاء، يوم الأربعاء 28 يناير 2026، ندوةً سياسية ناقشت أبعاد مرحلة ما بعد اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، بوصفه تحوّلًا جيوسياسيًا في المنطقة، وما يترتب عليه من توترات داخلية وإقليمية في اليمن والصومال ومنطقة القرن الإفريقي.
الندوة، التي أدارها مدير المركز السفير/ عبد الله علي صبري، انطلقت من التأكيد على أن موقف الأمة الثابت من الكيان الصهيوني يجعل أي اعتراف صادر عنه ـ وهو كيان لا يُعترف بشرعيته ـ فاقدًا لأي أساس أخلاقي أو قانوني، ومع ذلك، فإن الأبعاد الجيوسياسية لهذا الاعتراف تطرح عددًا من التساؤلات التي تطرقت إليها الندوة، بمشاركة باحثين من اليمن والصومال.
تحالف “الأطراف”
قال رئيس دائرة إفريقيا بوزارة الخارجية والمغتربين، السفير/ أحمد حميد عمر: إن اعتراف إسرائيل بـأرض الصومال يمثل تحولًا ذا أبعاد جيوسياسية وأمنية وإقليمية حساسة؛ نظرًا لموقع الإقليم الاستراتيجي على خليج عدن والبحر الأحمر وباب المندب.
وأكد عمر في ورقته المعنونة بـ”الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، الأبعاد الجيوسياسية والأمنية وانعكاساتها على البحر الأحمر ومضيق باب المندب والقرن الإفريقي”، أن الدوافع الجيوسياسية والاستراتيجية لإسرائيل تتمثل في سعيها للتحكم غير المباشر في مضيق باب المندب، انطلاقًا من أرض الصومال التي تطل على خليج عدن، وتوصف بأنها البوابة للمضيق الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية العالمية، وأي نفوذ إسرائيلي في أرض الصومال يمنحها قدرة على مراقبة خطوط الملاحة الدولية المرتبطة بأمنها البحري والتجاري وورقة ضغط في مواجهة القوى المناوئة، إضافة إلى مساعي إسرائيل إلى تعزيز الطوق الاستراتيجي حول العالم العربي والإيراني لاسيما مصر والسعودية، وكذا فتح جبهة ضغط غير مباشرة على اليمن، بالإضافة إلى تقويض النفوذ الإيراني عن طريق شبكة من التحالفات في القرن الإفريقي، ما يمنحها التدخل عند الحاجة في البحر الأحمر وخليج عدن، ويندرج ذلك ضمن عقيدة الأطراف الإسرائيلية.
أشار عمر – وهو الدبلوماسي المخضرم الذي عمل في معظم دول القرن الإفريقي وشرق إفريقيا “إثيوبيا، إرتيريا جيبوتي، وكينيا” وشغل منصب السفير الأسبق لليمن في الصومال – إلى أن إسرائيل تهدف لإيجاد موطئ قدم استخباراتي متقدم من خلال إنشاء قواعد رصد إلكتروني واستخباراتي يتيح لها مراقبة التحركات العسكرية والسياسية في البحر الأحمر واليمن، والقرن الإفريقي، ومواجهة النفوذ الإيراني وأنصار الله؛ إذ تنظر إسرائيل إلى البحر الأحمر ساحة صراع مفتوحة بعد حرب غزة، وتسعى إلى قطع خطوط الإمداد أو الرصد المبكر لأي تهديد، وتعزيز أمنها البحري بعيدًا عن حدودها المباشرة، ودعم عمليات الردع البحري دون الانخراط المباشر، وهذه أبرز الدوافع الأمنية والعسكرية للاعتراف الإسرائيلي.
منوها بأن الدوافع السياسية والدبلوماسية تتمثل في توسيع شبكة علاقاتها الإفريقية لكسر العزلة السياسية، وإضعاف الدولة الصومالية المركزية، وضرب وحدة الصومال الإقليمية، واستخدام أرض الصومال نموذجًا دبلوماسيًا (الاعتراف مقابل الدعم)، وخلق سابقة خطيرة في دعم النزعات الانفصالية، بما يخدم سياسة تفتيت الدول.
وشدد عمر على الاستثمار في الموانئ والبنية التحتية؛ إذ يحتل ميناء بربرة موقعًا استراتيجيًا للتجارة والطاقة، وفرصة لإسرائيل للدخول إلى طرق التجارة الإفريقية – الآسيوية، وكذلك استغلال هشاشة الوضع القانوني لأرض الصومال لعقد صفقات أقل تكلفة، والاستفادة من الموارد الطبيعية مستقبلًا من ثروات نفطية وغازية ومعادن، وهذه هي الدوافع الاقتصادية.
ولفت عمر إلى أن الدوافع الأيديولوجية والتاريخية لإسرائيل تتمثل في استراتيجية (تحالف الأطراف)، وهي عقيدة قديمة لديها تقوم على التحالف مع كيانات غير عربية أو هامشية جغرافيًا، فمنذ نشأتها تبنت إسرائيل استراتيجية الأطراف التي تهدف إلى كسر العزلة الإقليمية ببناء تحالفات مع دول تقع خارج المحيط العربي المباشر في القرن الإفريقي، وتجسدت هذه السياسة بعلاقات متعددة الأوجه مع إثيوبيا، كينيا، إريتريا، وأطراف محلية في أرض الصومال، إضافة إلى التواصل مع دول أخرى في غرب ووسط إفريقيا، إضافة إلى توظيف الاعتراف ورقة تفاوض دولية؛ إذ قد تستخدم إسرائيل ملف أرض الصومال للضغط على أطراف إقليمية أو دولية، كما قد تستخدمه للمقايضة في ملفات أخرى (غزة، التطبيع، البحر الأحمر).
واعتبر أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، يعد تحولًا خطيرًا؛ لأن أرض الصومال كيان غير معترف به دوليًا، وانفصاله يتعارض مع مبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأثنى على الموقف الجامع للحكومة الصومالية والاتحاد الإفريقي والدول العربية والإسلامية والمنظمات الإقليمية، من اعتراف إسرائيل بأرض الصومال، وعدم شرعيته؛ لأن أرض الصومال جزء لا يتجزأ من الصومال، التي دخلت في وحدة اندماجية مع الجنوب عام 1960 ليشكلا جمهورية الصومال التي تكونت من 18 محافظة، 13 منها في الجنوب، وخمس في الشمال.
من التاريخ إلى الواقع
من جانبه، قدّم الكاتب والباحث السياسي اليمني/ طالب الحسني، قراءة جيوسياسية لموقف اليمن من إعلان كيان الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف بإقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) دولة منفصلة عن الصومال، معتبرًا الخطوة تطورًا خطيرًا ضمن سلسلة تحولات متسارعة تشهدها منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
وأكد أن موقف اليمن ـ كما أعلنه السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي ـ يعد أي وجود عسكري إسرائيلي في الإقليم تهديدًا مباشرًا يستوجب الرد، بصرف النظر عن الجهة التي تتيح هذا الوجود.
ورأى الحسني، أن الجدل القانوني فقد جدواه في ظل تآكل منظومة الشرعية الدولية، وأن الموقف اليمني ينطلق من منطق الأمن القومي لا من السجالات الشكلية، محذرًا من أن تموضع إسرائيل قرب باب المندب يشكل خطرًا استراتيجيًا على اليمن والمنطقة.
كما شدد على أن أمن البحر الأحمر مسؤولية دوله المطلة عليه، منتقدًا التدويل المتزايد للممرات البحرية، مشيرًا إلى محاولات دمج إسرائيل في منظومات الأمن الإقليمي عن طريق المناورات والتحالفات البحرية.
وعن سرديات الانفصال، ينتقد الحسني، الحجج التي تطرحها سلطات هرجيسا حول “التهميش والاضطهاد”، معتبرًا أنها تعكس سردية استُخدمت تاريخيًا من قبل إسرائيل لاختراق إفريقيا عبر خطاب المظلومية المشتركة، ويشير إلى أن الشعوب الإفريقية التي عانت من الاستعمار يفترض أن تقف مع الشعب الفلسطيني بوصفه حالة استعمار استيطاني معاصر، لا مع القوة المحتلة.
يستحضر الحسني، سوابق عربية شهدت شعورًا مشتركًا بالتهديد في البحر الأحمر، مثل ميثاق جدة عام 1955، ومبادرات حماية الممرات البحرية في ستينيات القرن الماضي، قبل أن يتبدد هذا الإجماع تدريجيًا بعد هزيمة 1967 والتحول نحو التسويات السياسية.
ويرى أن المنطقة تعيش اليوم مرحلة عودة التهديد المباشر، لكن في ظل تفكك عربي أوسع وتدويل متزايد للأمن البحري، ويلفت إلى مشاركة إسرائيل في بعض المناورات البحرية الإقليمية، ما يعكس اتجاهًا متدرجًا نحو دمجها في منظومة الأمن البحري، وهو ما يثير تساؤلات حول ازدواجية المعايير في التعامل مع ما تعده دول المنطقة تهديدًا سياديًا مباشرًا.
يخلص الحسني، إلى أن الخيارات المطروحة إقليميًا ـ سواء بالضغط على داعمي الانفصال أو عبر الوساطات الدولية ـ تبقى محدودة التأثير، محذرًا من أن الانخراط الأمريكي سيقود عمليًا إلى شرعنة الوجود الإسرائيلي تحت مظلة حماية المصالح الغربية.
مشاريع استعمارية
وفي هذا السياق، يوضح الشيخ/ إبراهيم عبد القادر، رئيس الجالية الصومالية بصنعاء، أن مؤامرات تقسيم وتجزئة الصومال، كانت منذ مدة طويلة، وأشار في سياق حديثه عن التدخلات الخارجية في الصومال، إلى أن أزمة إقليم أرض الصومال ليست حدثًا طارئا أو خلافًا سياسيًا عابرًا، بل هي نتيجة مسار تاريخي طويل تشكَّل على مدى عقود من التراكمات السياسية والاجتماعية والاستعمارية، معتبرًا أن أصل الأزمة يعود إلى الحقبة الاستعمارية حين خضع شمال الصومال للاستعمار البريطاني، بينما خضع الجنوب للاستعمار الإيطالي.
ويقول: “اعتراف (إسرائيل) بإقليم أرض الصومال فاقد القيمة؛ لأنه أتى من كائن غير شرعي لكيان غير شرعي” آخر، مؤكدًا أن الكيان الصهيوني يسعى باعترافه بأرض الصومال إلى تحقيق مصالحه، وتضييق الخناق على الدول المطلة على البحر، والسيطرة على طرق التجارة العالمية والممرات البحرية، لاسيما بعد تلقيه ضربات موجعة من القوات المسلحة اليمنية المساندة لمعركة “طوفان الأقصى”.
ودعا الدول العربية والإسلامية إلى سرعة التحرك لمواجهة الخطر الصهيوني وتجاوز مسألة التنديدات والاستنكارات إلى فعل ملموس على أرض الواقع، مثمنًا الموقف العملي لليمن وللسيد عبد الملك الحوثي، الذي اعتبر أن أي تواجد صهيوني على أرض الصومال يُعد تهديدًا وجوديًا لليمن، وسيكون تحت مرمى القوات المسلحة اليمنية.
تحولات جيوسياسية
بدوره، قال مدير تحرير موقع “قراءات صومالية”، عبد الرحمن سهل يوسف، في مشاركته بواسطة تقنية التواصل المرئي: إن منطقة القرن الإفريقي ومداخل البحر الأحمر وخليج عدن تشهد تحولات جيوسياسية متسارعة، وضعت الصومال في مركز اهتمام القوى الإقليمية والدولية.
وأشار إلى أن التحرك الإسرائيلي الأخير نحو الصومال كان تحت مراقبة الجميع، لاسيما أن الصومال كانت تراقب وتتابع التحركات التي تجري في المنطقة، موضحًا أن الاعتراف بـ”صوماليلاند” يهدف إلى لوصول إلى البحر العربي أو المنطقة القريبة من البحر الأحمر وخليج عدن منطلقًا للتحركات الإسرائيلية.
جيوسياسيا، يرى سهل أنه بالنظر لموقع لـ “أرض الصومال” قبالة سواحل اليمن، ومضيق باب المندب، فإن إسرائيل تُعلن فعليًا عن نيتها الحفاظ على مصالح استراتيجية على الجانب الآخر من البحر الأحمر، ووضع موطئ قدم لها في المنطقة ذات الاستراتيجية المهمة في العالم، التي تعبر منها حوالي 9% إلى 10% من السفن التجارية الدولية إلى الشرق والغرب.
وخلص إلى القول:” إن وحدة الصومال- مهما تعرضت للتحديات- تظل حجر الزاوية في حماية الأمن الوطني الصومالي، كما تشكل جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، أما المشاريع القائمة على التفكيك والتحالفات المشبوهة، فهي لا تبني دولًا ولا تصنع استقرارًا، بل تزرع بذور أزمات طويلة الأمد يدفع ثمنها الجميع، عاجلًا أم آجلًا”.
توصيات الندوة
في ختام الندوة- التي حضرها دبلوماسيون وسياسيون وإعلاميون- أوصى المشاركون بتعزيز التنسيق بين دول البحر الأحمر لمواجهة عسكرة الممرات البحرية، واعتبار الوجود الإسرائيلي تهديدًا مباشرًا للأمن القومي اليمني والعربي، وتطوير القدرات البحرية والجوية لرصد التحركات في باب المندب.
كما شددوا على دعم وحدة الصومال، ورفض الاعتراف بالكيان الانفصالي، وتفعيل الجهود الدبلوماسية عن طريق الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، والاستعداد لسيناريوهات التصعيد لحماية الأمن القومي.

















