حين تصبح الكلمة جبهةً في الحرب على الإرهاب
«إعلاميو السلام» في مقديشو.. من مواجهة الإرهاب في الميدان إلى هزيمته في الوعي
لم تعد الحرب على الإرهاب تُحسم في ساحات القتال وحدها. فالمعركة الحديثة انتقلت إلى شاشة الهاتف، وإلى منصات التواصل الاجتماعي، وإلى غرف الأخبار، وإلى فضاء مفتوح تستطيع فيه صورة مفبركة أو رواية مضللة أن تصل إلى ملايين الأشخاص خلال دقائق.
ومن هنا تكتسب مبادرة «إعلاميو السلام»، التي أطلقها التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب في العاصمة الصومالية مقديشو بدعم من المملكة العربية السعودية، أهمية تتجاوز كونها برنامجًا تدريبيًا للإعلاميين. إنها محاولة لإعادة تعريف موقع الإعلام في الحرب على الإرهاب: من متفرج على المعركة إلى أحد خطوط الدفاع الأمامية فيها.
الحضور الرفيع الذي شهدته مراسم إطلاق المبادرة، بمشاركة وزير الدفاع وقائد الجيش الصومالي أحمد معلم فقي، والأمين العام للتحالف الإسلامي اللواء الطيار الركن محمد بن سعيد المغيدي، إلى جانب عدد من الوزراء والقادة الأمنيين والعسكريين والمسؤولين الصوماليين، يحمل رسالة سياسية وأمنية واضحة: الإرهاب لم يعد قضية عسكرية فقط، والإعلام لم يعد قطاعًا هامشيًا في منظومة الأمن الوطني.
لقد أدركت التنظيمات الإرهابية منذ سنوات أن السيطرة على العقول قد تكون أكثر تأثيرًا من السيطرة على الأرض. ولذلك طورت أدواتها الإعلامية، واستثمرت في الفيديو والصورة والصوت والمنصات الرقمية، واستخدمت خطاب المظلومية والكراهية والاستقطاب لتوسيع دائرة التأثير، واستقطاب عناصر جديدة، وإرباك المجتمعات، وإضعاف الثقة بالمؤسسات.
وهنا تحديدًا تبدأ المعركة الحقيقية.
فالإرهابي الذي يفشل في تحقيق أهدافه بالرصاص قد يحاول تحقيقها بالكاميرا. والعنف الذي لا يستطيع فرضه بالقوة قد يحاول تمريره عبر رواية إعلامية مضللة. والعملية التي تنتهي بانفجار قد تبدأ قبل ذلك بكثير من خلال حملة رقمية منظمة لصناعة الخوف، وتضخيم النتائج، وإرباك الرأي العام.
لذلك، فإن مواجهة الدعاية الإرهابية ليست ترفًا إعلاميًا، وإنما أصبحت جزءًا من الأمن الوطني.
من «نقل الخبر» إلى «فهم المعركة»
أهمية مبادرة «إعلاميو السلام» تكمن في أنها لا تتعامل مع الصحفي باعتباره مجرد ناقل للمعلومة، وإنما تسعى إلى تطوير قدرته على التحقق والتحليل وكشف التضليل وفهم شبكات التأثير الرقمي.
فالصحفي الذي لا يمتلك أدوات التحقق الرقمي قد يتحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من آلة الدعاية التي يحاول محاربتها.
والصحفي الذي يعيد نشر مقطع قديم باعتباره حدثًا جديدًا، أو يمنح رواية متطرفة مساحة واسعة دون تحقق، أو يكرر ادعاءً مصدره حساب مجهول، قد يسهم في صناعة الأثر الذي تسعى إليه الجماعات الإرهابية.
لهذا فإن الاستثمار في مهارات الإعلاميين هو في جوهره استثمار في مناعة المجتمع.
ومن اللافت أن البرنامج يستهدف 40 إعلاميًا وصحفيًا وأكاديميًا ومتخصصًا، ويقدم تدريبًا في مجالات أصبحت ضرورية للإعلام الحديث، مثل التحقق الرقمي، والاستخبارات مفتوحة المصدر، وتحليل الصور والفيديو، ورصد الحسابات المزيفة، وتحليل انتشار المحتوى، وكشف عمليات التأثير المنسقة، وتحليل الخطاب المتطرف وخطاب الكراهية.
هذه ليست مهارات تقنية فحسب؛ إنها أدوات دفاع عن الحقيقة.
السعودية والتحالف الإسلامي.. نقل المعركة من التنسيق إلى بناء القدرات
الرسالة الأهم في المبادرة هي أن التعاون بين الصومال والتحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، بدعم من المملكة العربية السعودية، يتجه نحو بناء القدرات وليس الاكتفاء بالتنسيق السياسي أو الأمني. وهذا تحول مهم.
فالدول التي تواجه الإرهاب تحتاج إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار بعد انتهاء أي عملية عسكرية، وتحتاج إلى صحفيين يستطيعون التعامل مع بيئة إعلامية معقدة، وإلى خبراء قادرين على قراءة شبكات التضليل، وإلى مؤسسات تستطيع إنتاج رواية وطنية مهنية تنافس الدعاية المتطرفة بدل الاكتفاء بالرد عليها.
والصومال، بحكم تجربته الطويلة مع الإرهاب، يدرك أن المعركة لا تنتهي بتحرير مدينة أو القضاء على مجموعة من المسلحين. فالأرض يمكن استعادتها، لكن العقول التي تم تجنيدها تحتاج إلى معركة أخرى؛ معركة طويلة مع الأفكار، والخطاب، والشائعات، واليأس، والكراهية.
وهنا تصبح الشراكة الإعلامية والفكرية جزءًا من الشراكة الأمنية.
أخطر ما يواجه الصومال قد لا يكون الانفجار
في بيئة تعاني من تحديات أمنية وسياسية واقتصادية، يمكن أن يكون التضليل الإعلامي أكثر خطورة مما يبدو.
فالخبر الكاذب قد يشعل نزاعًا اجتماعيًا. والصورة المفبركة قد تخلق أزمة سياسية. والفيديو المقتطع قد يشوه مؤسسة كاملة. والحساب الوهمي قد يقود حملة منظمة لتأليب الرأي العام.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت صناعة المحتوى المزيف أكثر سهولة، وأصبح التمييز بين الحقيقي والمفبرك أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن الصحافة المهنية لم تعد مجرد مهنة، بل أصبحت خط دفاع مؤسسي عن الأمن والاستقرار.
لكن هذا الدور يفرض مسؤولية أخلاقية كبيرة أيضًا.
فمواجهة الإرهاب لا تعني تحويل الإعلام إلى أداة دعاية حكومية، ولا تعني التضحية بالموضوعية والاستقلالية الصحفية تحت عنوان الأمن. العكس هو الصحيح.
كلما كان الإعلام أكثر مهنية وشفافية ودقة، كان أكثر قدرة على مواجهة الدعاية المتطرفة.
والرواية القوية ليست الرواية الأعلى صوتًا، وإنما الرواية الأكثر صدقًا ومصداقية وقدرة على إقناع الجمهور.
الحقيقة سلاح.. ولكن بشرط
ربما تكون أهم رسالة يمكن استخلاصها من «إعلاميو السلام» هي أن الحقيقة نفسها أصبحت سلاحًا استراتيجيًا.
لكن الحقيقة تحتاج إلى من يبحث عنها، ويتحقق منها، ويشرحها، ويقدمها للجمهور بلغة يفهمها.
الإرهاب يستفيد من الفراغ المعلوماتي. وكلما غابت المعلومة الدقيقة، ظهرت الشائعة. وكلما تأخرت المؤسسات في التواصل، تقدمت الحسابات المجهولة. وكلما فقد المواطن ثقته بالمصادر المهنية، أصبحت الدعاية المتطرفة أكثر قدرة على اختراقه.
ومن هنا، فإن بناء إعلام مهني قادر على المنافسة في البيئة الرقمية ليس مجرد دعم للصحفيين، وإنما مساهمة مباشرة في بناء مجتمع أكثر مقاومة للتطرف والتضليل.
المعركة المقبلة معركة وعي
لقد تغيرت طبيعة الإرهاب، ولذلك يجب أن تتغير أدوات مواجهته.
القوة العسكرية ضرورية، والأجهزة الأمنية ضرورية، وتجفيف مصادر التمويل ضروري، والتعاون الاستخباراتي ضروري، لكن كل ذلك لن يكون كافيًا إذا تُركت الساحة الرقمية مفتوحة أمام دعاة التطرف والكراهية والتضليل.
المعركة الحقيقية هي معركة الأرض والعقل والرواية في آن واحد.
ومن مقديشو، تأتي مبادرة «إعلاميو السلام» لتقول إن الصحفي يمكن أن يكون جزءًا من الحل، وإن الكاميرا يمكن أن تكون أداة سلام، وإن المعلومة الدقيقة يمكن أن تكون وسيلة لمواجهة الإرهاب، وإن الوعي المجتمعي قد يكون أحد أقوى التحصينات في وجه التطرف.
إن نجاح المبادرة لن يقاس بعدد المتدربين الذين يجتازون البرنامج، وإنما بقدرتهم على تحويل ما تعلموه إلى ممارسة يومية: خبر أكثر دقة، وتحقيق أكثر عمقًا، ومعلومة أكثر موثوقية، وقدرة أكبر على كشف التضليل، ورواية وطنية قادرة على منافسة خطاب الكراهية.
فالإرهاب يريد أن يزرع الخوف.
والإعلام المهني يستطيع أن يزرع الوعي.وبين الخوف والوعي، تتحدد معركة المستقبل.
وفي هذه المعركة، قد تكون الكلمة أحيانًا أقوى من الرصاصة، وقد يكون الصحفي الواعي أحد أهم خطوط الدفاع عن السلام.