حين يشيخ الزمن: حكايات الكبار وظلال الذكريات

المزيد للقراءة

هكذا يفعل الكبار: يجلسون تحت شجرةٍ كبيرةٍ وارفةِ الظلال في وقت الضُّحى، يحتسون الشاي، ويضع أحدهم الرِّجل اليمنى على الرِّجل اليسرى، ويحرك العصا على التُّراب، ويرسم خطوطًا على الأرض. يتحدث أحدهم، ولا يقاطع الآخر صديقه عندما يتكلم، وإنما يُحرِّك رأسه يمنةً ويسرةً إشارةً إلى أن يُواصل الحديث.

يتحدثون عن “كان وما كان”، وعن أيام الخير، وعن الصِّبا وبراءة الطفولة، وعن الدِّيار والذِّكريات، وعن الرِّحلات والأسفار، وعن سنوات القحط والجذب، وسنوات الرَّخاء والنِّعمة، وعن الآبار ووفاء الناس، وعن طيبة المجتمع وبركةٍ كانت في الحياة، وعن الأصدقاء؛ فمنهم من قضى نَحبَه، ومنهم من ينتظر.
ويتحدثون عن أصدقاء فرّقتهم الظروف والأيام، فيقولون قولتهم المشهورة: “كان آخر عهدي بصديقي فلان وهو حيٌّ”

هؤلاء الكبار دليلٌ على أن الخير لا يزال موجودًا في البشر، وهم بقيةٌ باقيةٌ من العهد الصالح، وهم بركة الأهل، ودعاؤهم مستجاب إن شاء الله.
كل واحدٍ منهم شاهدٌ على العصر، ومكتبةٌ تاريخيةٌ على مشارف الموت، وشمسٌ تغرب ذات يوم، ومصدر طمأنينةٍ يُعلن عن الرَّحيل.
صقلتهم التَّجارب، وعلَّمتهم الأيامُ حِكمًا، وحديثهم كلّه تجارب يروونها على هيئة قصص.

يبدأ حديثهم بالفلك، ومعرفة حالة الأمطار، وحساب الأيام والمواسم، ومعرفة مراعي المواشي، ومضارب الأهل والإبل، ومعرفة حالة القطعان، والقرى، والأرياف، والاطمئنان على صحة الأصدقاء، والدعاء لمن غاب عن المجلس لمرضٍ أو سفر، والشوق لمن وارى جسده التُّراب.
وهم يذكرون دائمًا الموت هادم اللذات، ولا تُفارِق المِسبحةُ أصابعهم، يجلسون أمام المساجد قبل أن تُفتح، وهم أوّل من يدخل المسجد، وآخر من يخرج منه، وقلوبهم معلقة بالمساجد، والوِرد، والذِّكر.

يسهرون كثيرًا، ويسبِّحون كثيرًا، يرقدون قليلًا، ويصلّون كثيرًا.
لا تُحرّكهم العواطف، ولا تؤثر فيهم العواصف، وهم مثل الجبال الرَّاسيات الرَّاسخات.
لكنَّ وراء هدوئهم قلوبًا رقيقة، خالية من الحقد والحسد، قلوبًا تدعو للجميع، وتحب أن تزدهر الأشجار، وينمو الأطفال، ويعمّ السلام، قلوبًا ليس فيها طمع ولا جشع، قلوبًا أقبلت على الآخرة، وهي ما تزال في الدنيا.

أجسادهم باردة، وأياديهم ترتعش، وأجسادهم باتت رقيقة، والتجاعيد فعلت فعلتها في ملامحهم، والشعر الأسود أصبح رداءً يكسو شعرهم، اشتعل الرأس شيبًا، ووَهَن العظم، وكثر الفراغ، وأقبل المرض، وذهب النوم، ولذّة الطعام والكلام، وتحمُّل القيام والصيام.
ولم يبقَ من الزمن الجميل سوى ذكريات عن قوّةٍ كانت فزالت، وأصدقاءٍ كانوا فغادروا، ومدنٍ لم تكن وصارت اليوم واقعًا، وأبناءٍ كانوا صغارًا فصاروا آباءً، وأحفادٍ في مقتبل العمر، وأناسٍ يُقبِلون على الحياة، وليس لديهم فراغٌ للإنصات لحكمة الشيوخ ورأي الكبار.

إن أغلى ما يمتلكه المسنّون وكبار السنّ هو أن يشعروا بأن أبناءهم وأقاربهم بخير، وأن يروا وجوه أصدقائهم؛ فالحياة بدون الأصدقاء موحشةٌ مرعبة.

وكلما مات صديقٌ عزيزٌ على القلب، مات جزءٌ من الإنسان؛ فالمرء لا يموت مرةً واحدة، ولكنه يموت تدريجيًّا، غير أن الناس لا يرونه يحتضر إلا مرةً واحدة.

وموت الأصدقاء لا يمرُّ مرور الكرام، بل يترك أثرًا في نفس الإنسان؛ فعندما يرحل الصديق أو الابن، يأخذ معه شيئًا ثمينًا، وهو أن جزءًا من قلب المُحبين يُدفن معه.

الاستاذ عبدالرحمن راغي علي

Share

اقرأ هذا أيضًا