رحلتي إلى الحجاز … من لندن إلى مدينة رسول الله.
في الخامس من هذا الشهر اغسطس ٢٠٢٦ الموافق الثالث والعشرون من صفر ١٤٤٨، توجّهت مع العائلة إلى أرض الحجاز لأداء العمرة. طرنا من مطار هيثرو في لندن على متن الخطوط الجوية السعودية، كانت الرحلة ممتعة والأجواء مريحة. ومما أدخل السرور في قلبي سماعي دعاء السفر المأثور عن النبي عند تحرك الطائرة على مدرج المطار “سُبحانَ الذي سَخَّرَ لَنا هذا وما كُنَّا له مُقرِنينَ وإنَّا إلى رَبِّنا لَمُنقَلِبونَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ في سَفَرِنا هذا البِرَّ والتَّقوى، ومِنَ العَمَلِ ما تَرضى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ علينا سَفَرَنا هذا، واطوِ عَنَّا بُعدَه، اللَّهُمَّ أنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَليفةُ في الأهلِ، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن وَعْثاءِ السَّفَرِ، وكَآبةِ المَنظَرِ، وسوءِ المُنقَلَبِ في المالِ والأهل” كان صوتا قويا وعذبا يبعث الطمأنينة في النفس، صوتا لم أسمعه من قبل في رحلاتي في الغرب او الشرق إلا في الخطوط السعودية، وهذا سبق كبير يحسب لها.
ومما زاد إعجابي وأثار دهشي لما رأيت في طريقي إلى دورة المياه مصلّى خاص للركاب؛ لتأدية الصلوات: قلت في نفسي : أمصلّى في طائرة محلّقة في جوّ السّماء؟ ! كانت تلك تجربة عجيبة لم تكن تخطر في بالي، وشعرت أنني في رحلة مختلفة عما ألفته من الرحلات، وكانت تلك اللفتة كافية لإشاعة جوّ من الروحانية في نفسي، وكنت في امس الحاجة الي مثل تلك اللّمسة قبل الورود إلى مهبط الوحي. تحيّة إكبار وإعجاب لشركة الخطوط السعودية على ما أبدته من الإبداع والتميّز، وتكييف التكنولوجيا بخصوصيات الأمة الثقافية والدينية، وتلك سنة حسنة أرجو أن تحذو شركات الطيران في العالم الإسلامي حذوها.
وكنت قد أخذت معي كتاب (الإشارات الإلهية) لأبي حيّان التوحيدي، ففيه من المناجاة والابتهالات والتأملات ما يسمو بالروح إلى أفقها الأعلى، ويتعالى على النزعات المادية للشهوات الجسدية. يوجّه التوحيدي خطابه إلى مجهول، وتراه يفتتح بكلامه: ياهذا ! ولكنّني كنت أشعر أنّه كلّما قال: يا هذا لم يكن يعنيه إلا ذاتي، يحاورني حورا عميقا، متأملا التناقضات الوجودية للإنسان، في جريه وراء شهواته الجسدية، وفي توقه الصعود إلى مراقي الكمال. هذه الرحلة التوحيدية للبحث عن الوصول إلى المطلق يختلف شعورك بها عند ما تقرأها في بيتك متكئا على أريكتك، وعندما تقرأها في الطائرة وأنت محلّق في السماء، فهنا تشعر صعودا جسديّا على متن الطايرة، وصعودا روحيّا على متن (الإشارات الإلهية).
اتفق أن كان جاري في مقعد الطائرة فتاة، قدّرت أنّها من أهل الحجاز، مرتدية بعباءة سوداء، ومعها طفل خمّنته في حدود الأربعة. كانت الفتاة في المقعد على نافذة الطايرة، وكنت أنا في الطرف الآخر، والطفل يتوسّط بيننا، فغشي الطفل ووالدته ما غشيهم من النوم، وأنا محلّق في سماء التوحيدي، ولا أدري من قام وقعد، ولا من نام ومن هو مستيقظ، ثمّ استغرق الطفل في نومه، فتمدّد، حتى أسند رأسه إلى حجر امه، ووضع إحدي رجليه في خاصرتي، والأخرى في حجري، فتركته، والأم غارقة في نومها. ولما تنبهت الأم ورأت ما فعل وليدها ارتاعت، فأرادت جرّه إليها، فأشرت لها باليد أن اتركيه ولا تزعجيه، ولكن الفتاة جرّته اليها، ثمّ عادت إلى نومها، وعاد الطفل على تمدّده، وتعبث قدماه ما شاء الله ان تعبثاه من جسدي، راضيا في ذلك كلّه مغتبطا محتسبا. وقضينا الرحلة كلها على هذا المنوال، فكلّما تغفو الفتاة يتمدد الابن، وكلّما تصحو ترتاع وتسحبه، حتى وصلنا الرياض، فتوقفنا فيها ساعتين، ثم استأنفنا الرحلة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلّم.
دخلنا المدينة في عتمة الليل، ولكن أضواء المدينة بدّدت جحافل هذا الظلام. أقلّتنا سيارة إلى مأوانا في المدينة قرب الحرم النبوي الشريف. كانت الشوارع مزيّنة بأشجار النخيل، وكانت أغصانها على جانبي الطريق تتمايل طربا وترقص احتفاء بزوّار المدينة. لا أدري كيف قفز إلى ذهني يوم قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المدينة، وخروج أهلها عن بكرة أبيها، وكأني أرى الولائد يضربن بالدفوف وينشدن:
طلع البدر علينا …. من ثنيـات الوداع
وجب الشكـر عليـنا …. مـا دعــــا لله داع
أيها المبعوث فينا … جئت بالأمر المطـاع
جئت شرفت المديـنة … مرحبا يا خير داع
وكلّما لاح لي جبل في طريقنا إلى الفندق، كنت أسأل السائق: هل هذا جبل أحد؟ فيقول: لا، فلمّا تكرّر مني هذا السؤال، قال لي: اطمئن يا حاج، جبل أحد غير بعيد، وسأخبرك إذا أطل علينا، وما أن سرنا قليلا حتّى أشار بيده إلى جبل، فقال: هذا أحد ! نظرت إليه في ظلمة الليل، وهو شامخ في مكانه، صامد على مرّ الايام وكرّ الليالي، كان شاهد عين لأحداث عظام غيرت مجرى التاريخ، مرت به السيارة كالبرق الخاطف، وزدت شوقا إليه، وتجاوزناه على نية العودة إليه. ومشاهدة آثاره وأحداثه، والاستماع إلى ما يرويه لنا من قصص الشهداء الأبطال الثاوين ساحته.
وصلنا المدينة في يوم الخميس ليلة الجمعة، وكانت فرصة سانحة لتأدية صلاة الجمعة في المسجد النبوي، وصلت إلى المسجد قبل ساعة ونصف من وقت الصّلاة، وكنت أظنّ أنني سأجد مكانا للصلاة في داخل المسجد، ولكنّي فوجئت بامتلاء المسجد، حتى الساحات الخارجية. وبينا أنا تائه في الصفوف، إذْ لاحت لي فرجة ضيقة بين شخصين، فقدّرت أن هذه الفرجة تسع لي، فانطلقت إليها مثل السّهم فسددتها، ولو أنّ الله أعطاني بسطة في الجسم لما اتّسعت لي تلك الفرجة، ولله في خلفه شون. ولما استقر بي المكان، وذهب عني الروع، صليت ركعتين تحية للمسجد النبوي. انتابني شعور بالقلق، وخيل لي أن الرسول عليه الصلاة والسلام يراني من مرقده الشريف، فتذكرت حديث المسيء صلاته، فحاولت جهدي أن احسن صلاتي ما استطعت، ثم فتحت المصحف في تليفوني الجوال حتى أذن المؤذن، فكان لأذان الحرم النبوي وقع خاص في أذني. فلما قال المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله شعرت كأنّي أجدّد شهادتي أمام الرسول عليه الصلاة والسّلام، فلما أنهى المؤذن، قلت : “اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد”.
ثم بدا الخطيب خطبته، وأنا أصغي إليه من كلّ قلبي. كانت تدور خطبته حول السعادة في الدنيا والآخرة، ولم يأل الخطيب جهدا في شرح السعادة ومعانيها ووسائلها وأنواعها وسبل الوصول إليها. ولمّا وصل إلى نهاية الخطبة سمعت كلاما كدّر من صفوي، سمعته يقول: اللّهمّ ثبت أقدام جنودنا المجاهدين في الميادين،اللّهمّ سدّد رميهم، فاتهمت أذني، وقلت في نفسي: ما بال هذه الرمية التي يسددها الله؟ ! ممن ؟ وعلى من؟ أمة يباد اهلها ويموت أبناؤها أمام أعينها جوعا وعطشا وهي متفرّجة وعاجزة حتى عن إيصال قارورة ماء تتحدث عن تثبيت الأقدام وسداد الرمية ! ما أحرانا أن نستحي من الله أن لم نستحي من أنفسنا، ونستحيي من رسوله في مسجده ومقامه الشريف.
وحديثنا متصل في الحلقة القادمة إن شاء الله، في الروضة الشريفة والحجرة الشريفة وغيرهما من أثار مدينة المصطفى.
عبدالواحد عبدالله شافعي.

