رحيل الفنان أحمد علي عقال حين يصبح الفن جسرا
=======
ليست الثقافة ترفا يمكن للمجتمعات أن تؤجله، ولا الفن مجرد وسيلة للترفيه؛ فهما جزء أصيل من هوية الشعوب وذاكرتها ووسائل تواصلها. وفي المراحل التي تعمل فيها المجتمعات على تجاوز آثار الأزمات وتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الاستقرار، تكتسب الثقافة والفنون أهمية خاصة، لما تمتلكها من قدرة على تقريب المسافات، وتعزيز الشعور بالانتماء، وفتح مساحات للتلاقي.
من هذا المنظور، لم يكن رحيل الفنان الصومالي أحمد علي عقال في 31 يوليو 2026 بمدينة مينيابولس الأمريكية مجرد مناسبة لوداع فنان كبير، بل كانت لحظة ثقافية وإنسانية استعاد فيها الصوماليون، في الداخل والشتات، جانبا من ذاكرتهم المشتركة.
فقد تفاعل الصوماليون، على اختلاف أجيالهم وأماكن إقامتهم وتجاربهم، مع رحيله بصورة لافتة. واستعيدت أغانيه وصوره وذكرياته، وتوالت كلمات الرثاء والتقدير من مختلف أنحاء العالم، في مشهد عكس المكانة التي احتلها عقال في الذاكرة الفنية الصومالية.
امتدت مسيرته لأكثر من خمسة عقود، وكان خلالها مغنيا وملحنا وعازفا وممثلا، وأسهم في مرحلة مهمة من تطور الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية الصومالية. وتميز بتعدد مواهبه وبقدرته على الجمع بين أصالة تعبير الفن الصومالي وبعض الأشكال الموسيقية الصومالية الحديثة، الأمر الذي جعله واحدا من الأسماء البارزة في جيل الرواد.
لكن قيمة الفنان لا تقاس بما قدمه في حياته فحسب، وإنما أيضا بقدرته على البقاء في وجدان الناس بعد رحيله. وهذا ما كشفه التفاعل الواسع مع وفاة عقال؛ فقد وجدته أجيال متعاقبة جزءا من ذاكرتها، واستعادت من خلال أعماله صورا ومشاعر ارتبطت بمراحل مختلفة من حياتها وتاريخ مجتمعها.
وهنا تتجلى أحد أهم وظائف الثقافة، المتمثلة في منح المجتمع مساحة مشتركة يلتقي فيها أبناؤه رغم اختلاف ظروفهم وتجاربهم. فالفن لا يلغي الاختلاف، لكنه يتيح للناس أن يلتقوا حول ما يجمعهم من لغة وذاكرة وتراث ومشاعر إنسانية. وقد أعاد رحيل عقال إلى الواجهة قدرة العمل الفني على استحضار مشاعر راسخة من الانتماء والحنين والاعتزاز بالهوية، ظلت حاضرة لدى أجيال متعاقبة من المجتمع الصومالي.
وتكتسب تجربة عقال خصوصية إضافية من ارتباطها بالهجرة والشتات. فقد أبعدته ظروف الحياة عن الوطن سنوات طويلة، لكنه ظل قريبا من أبناء شعبه من خلال فنه، وتنقل بين بلدان مختلفة، ووصل بصوته إلى الصوماليين في مناطق متعددة من العالم، وظلت أعماله حاضرة في مناسباتهم وذكرياتهم.
وهكذا أصبح فنه واحدا من الجسور الثقافية التي حافظت على الصلة بين الصوماليين في الوطن وأبنائهم في الشتات. ومع التطور الرقمي، اتسعت دائرة هذا الحضور؛ فأصبحت التسجيلات القديمة متاحة للأجيال الجديدة، وتحولت أعمال الرواد من ذاكرة خاصة بجيل معين إلى تراث مفتوح أمام الجميع.
ومن هنا فإن رحيل عقال لا يمثل فقدان فنان قدير فحسب، بل يلفت الانتباه إلى أهمية حماية الذاكرة الفنية الصومالية وتوثيقها وإتاحتها للأجيال القادمة. فالأغاني والمسرحيات والتسجيلات والصور والشهادات الفنية ليست مجرد أعمال إبداعية، وإنما وثائق حية تعكس جوانب من تاريخ المجتمع وتحولاته.
وفي مجتمع يعمل على ترسيخ الاستقرار ودعم مسيرة التعافي وتوطيد الروابط الاجتماعية، تستطيع الثقافة أن تكون عنصرا مكملا للجهود الوطنية، فهي لا تحل محل المؤسسات أو السياسات العامة، وإنما تسهم في تهيئة البيئة الملائمة التي تساعد المجتمع على استعادة الثقة وتعزيز التماسك، وفتح مساحات أوسع للحوار والتلاقي.
ومن هذه الزاوية، فإن الفن يمتلك قدرة خاصة على الوصول إلى مساحات قد يصعب الوصول إليها بوسائل أخرى. فهو يخاطب الوجدان، ويستحضر الذاكرة المشتركة، ويمنح الأجيال فرصة للتعرف على تجارب بعضها بعضا. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في التجربة الصومالية، حيث أسهمت عقود من الهجرة والشتات وتباعد الأجيال في اتساع المسافات بين أبناء الوطن، بينما ظل الفن إحدى الوسائل التي تحافظ على الصلة بينهم، وتصل الماضي بالحاضر، والوطن بأبنائه في مختلف أنحاء العالم.
وقد أتاح رحيل أحمد علي عقال أن يتجلى مرة أخرى الدور الذي تؤديه الثقافة في جمع الصوماليين حول ذاكرتهم المشتركة، فعلى الرغم من تباعد المسافات التي فرضتها الهجرة والشتات، استعاد الصوماليون من خلال صوته وأعماله مشاعر وذكريات تصل الأجيال بالوطن، وتؤكد أن الفن ظل مساحة حية لحفظ الصلة بالهوية والذاكرة الجماعية.
إن الصومال الذي عرفه عقال في بدايات مسيرته تغير كثيرا؛ تغيرت البلاد، وتبدلت الأجيال وانتقلت الموسيقى من الإذاعة والأشرطة إلى المنصات الرقمية، واتسعت دوائر الاغتراب والشتات الصومالي. لكن الحاجة إلى الثقافة والفن لم تتغير، بل ربما ازدادت أهمية في مرحلة يتطلع فيها الصوماليون إلى مستقل أكثر استقرار وازدهارا وتماسكا.
ومن ثم فإن أفضل وفاء لإرث عقال وجيل الرواد لا يكون بالرثاء وحده، وإنما بصون هذا الإرث وتجديد حضوره في حياة الأجيال القادمة، من خلال الأرشفة والتوثيق، وتشجيع البحث في تاريخ الفن الصومالي، ودعم المبدعين الشباب، وإتاحة التراث الثقافي على المنصات الحديثة.
لقد رحل أحمد علي عقال، لكن صوته بقي حاضرا في ذاكرة الصوماليين. وسيظل إرثه شاهدا على قدرة الفن على عبور الحدود والأجيال، وعلى أن الثقافة يمكن أن تكون جسرا يصل الوطن بالشتات، والماضي بالحاضر، والذاكرة بالمستقبل.
وفي مجتمع يتطلع إلى التعافي وبناء مستقبل أكثر إشراقا، تظل الثقافة إحدى المساحات التي يستطيع فيها الجميع أن يلتقوا حول ما يجمعهم، وأن يستمدوا من ذاكرتهم المشتركة الثقة لبناء مستقبل مشترك.
سفير جمهورية الصومال الفيدرالية لدى دولة قطر. الدكتور/محمد أحمد شيخ علي
المصدر: جريدة الشرق القطرية