من الأسباب التي تضاعف معاناتنا أو تصيبنا بخيبات متتالية هو منح ألقاب وامتيازات لمن لا يستحقها، وتعليق آمال كثيرة علىه، ناسين أو متناسين أن كل من وجد متسعا من الوقت ليطالع مجموعة من الكتب، ولديه قدرة في نقل بعض محتوياتها باسهاب ليس بالضرورة أن يكون هذا الشخص فيلسوفا أو مفكرا، ومن العبث الانتظار منه أن يساهم بحلول ناجعة في مشاكلنا المتنوعة. وبالنسبة للجدل المثار حول جماعة الصادعون والتعليقات التي اجتذبتها تكشف النقاب عن أمور عدة:
1. حيرة شرائح من الشباب وعجزهم أمام تكتيكات جماعة الصادعون التي تدغدغ مشاعرهم وعاطفتهم الدينية، مع عمل تبرج غير عادي وديكورات لم يتعودها الشباب في المناشط الدعوية والتعليمية والاجتماعية التقليدية، حيث تعرض عبر صفحتها في الفيسبوك حلقات مشوقة ومنتجة بتقنيات اتش دي مشابهة للمقاطع الهوليوودية والبوليوودية.
2. خلو كامل للساحة من قبل الرموز الدينية الحركية التقليدية، والذين انقسموا بين منسحب بشكل شبه كامل لا يسمع له صوتا إلا في مناسبات الأفراح والأتراح، وبين ثقيل الظل لا يزال وجوده يحجب ضوء الشمس ومشغول بتحريم الألعاب الشعبية وكيف تحتشم المغنيات في قاعات الفنادق، وفريق ثالث يعاني من وحشة تنظيمية بعد تبخر تنظيمه وتدغدغه مشاعر التقرب إلى الصادعين لكنه لا يضمن أنه سيجد المكانة التي يبحث عنها، ويخاف من أن يضيع في متاهات عمرها أربعين سنة فأكثر.
3. البعض يعاني من سوء فهم أو توظيف ل “قبول المختلف عنا” جماعة تحمل أيدلوجية لها انعكاسات مستقبلية وخطيرة على المستوى الثقافي والأمني، لا يمكن السكوت عنها فضلا عن ترحيبها والاشادة بها، لا أحد يهددها بالسلاح أو الاعتقال، لكن رفضها وكشف انحرافها، وإن استخدامها لتقنيات اتش دي لا تغير من حقيقة بعدها كل البعد عن الصواب، كل هذا لا يعني مصادرة حق وجودها.
4. الصادعون تشكلت قبل أربعة عقود وتحولت إلى طائفة مكتملة الأركان، وبعد سنة من إعلن نفسها لم تأت بجديد يذكر، ولم تكتسب برصيد إضافي، تكرر تشغيل اسطوانة متعددة الألفاظ متشابهة المضمون كالتالي: – في أول ظهورهم قاموا ببث سلسلة حلقات يصرح فيها الأعضاء انتمائهم إلى الصادعون. – بث مقاطع لبعض كوادر الجماعة حول الادبيات الفكرية للجماعة مع مرور على استحياء بتكفيرهم لمن سواهم من المجتمع. – حلقات عن تاريخ الصحوة وكانت بمثابة توثيق لانتمائهم إلى هذه الصحوة. – مقاطع لبعض الكوادر يهاجمون فيها على الدستور والدولة المدنية، والمقارنة بين القرآن والدستور. – سلسلة حلقات باسم “لقاء الجمعة” وصلت إلى أكثر من عشرة حلقات تجرأوا في آخر حلقة بكشف انيابهم حيث أعلنوا بكل صراحة بعدم وجود مجتمع مسلم منذ سقوط الخلافة. – سلسلة حلقات باسم “كيف اهتديت” يجلس فيها أعضاء الجماعة على كرسي الاعتراف يتحدث كيف اهتدي إلى الاسلام وفق المفهوم الصادعي، ولا زال هذا المسلسل في حلقاته الأولى…. كل هذه الحلقات وبتقنية انتاجها العالي تفتقر إلى المضمون الحقيقي والرسالة التي تبعث من خلالها، ودليل واضح على الفجوة بين حجم الأفكار التي تسعى لنسف المشهد الذي يعيشه المسلمون ووصفه بجاهلية لا تمت إلى الاسلام بصلة وأنه عالم يسيطر عليه الطاغوت، وأن على المسلمين الكفر به والتبرؤ منه والعودة إلى الاسلام في عهده النبوي، وبين العجز في الوسائل والإمكانيات الذي تعيشه الجماعة إلى حد أصبحت عالة على فضاء فيسبوك، حيث لم تعد بصلة مع المصلين في المساجد والطلاب في المدارس والجامعات، والمرضى في المستشفيات، والمشردين في ازقة وشوارع المدينة، لا صوت لهم في المواد التي تبثها عشرات المحطات الاذاعية، تجدهم فقط في الفيسبوك ومع كامل هنداهم وربطات عنقهم وكأنهم أعضاء في الكونغرس الأمريكي.
نصيحة أخيرة للشباب: الاسلام أوسع من أن تحتويه جماعة في أدبيات ومفردات تخضع فقط لتصوراتها، والدين أصبح في الأونة الأخيرة أسهل وسيلة للضحك على المساكين. تعلموا دينكم من المدارس والجامعات والحلقات وابتعدوا عن التنظيمات الدينية مهما كانت براقة، فالأحزاب السباسية والمنتديات الثقافية والرياضبة تغنيكم عن سماسرة الدين، فهذه الكيانات إن نجحت فذاك خير، وإن أخفقت فتمهد لتجربة قادمة، لأنها معاملات دنيوية، لكن فشل التنظيمات الدينية لها تبعات أليمة أقلها أن تهتز ثقتك بشيوخ الدين وحاشيتهم.

