فى صباح باكر, أشرقت الأرض بنور ربها , وصاح ديك معلنا بقدوم فجر جديد، وأوحى قلوبأهل الفجر أنه حان وقت المناجات، وترتيل آيات الذكر الحكيم، والتسبيح والتهليل.
وأول ما سمع معلمي نداء ربي نهض بسرعة البرق وكأنه تذكر شيئا مهما , أو سمع خبرا يثلج الصدر، أسرع نحو الباب , توضأ وضوءه كغير عادته، وأخذ مسواكه الطويل المعروف , لأنني أتدكر أحيانا لأنه كان يستخدمه معظم الوقت لتوبيخ الأطفال المتأخرين , أو من كان يسميه البليد , أي المتأخر عن الفهم.
أتدكر شكل معلمي ذاك الطويل القامة أسمر اللون، بالمختصر شكله كان حاميا بالمظهر , ففي التاريخ وصفوا لي شكل الرجل الصومالي , ولما سألني سائل هل تعرف شكل الحامي، قلت له اى ولله معلمى أقرب المثال عندى.
قلت لنفسي: ربما نهض بتلك السرعة لأنه تذكر حديث الرسول( صلى اله عليه وسلم) “بورك أمتي فى بكورها ” .
ولعلمي كان معلمي شافعيا يؤمن البركات وتراتيل الوردية , أو بالأحرى كان صوفيا , وما أدراك ما الصوفية آنذاك , كانت روحانيات المرء لا تهذأ تسعين درجة .
ففي ذات الليلة من الليالي الماطرة النادرة فى الصحراء , التي تبعث السرور في النفوس , تلك الليله تجمع ما بين ظلام وأصوات المطر المرعبة وبين رغبتنا بالحكاية المنتطرة .
تجمعنا حول جدتي , وكانت تحكي لنا حكايات الأطفال المتواصلة.
أما الليلة فكانت الحكاية مختلفة، مساء كانت جدتي راجعة من البيت رأت معلمي يرتل تراتيله المعهودة , يهمس ويهمهم لحاله فقديما قالوا: ” أن المرء إذا حفط القران قبل الأربعين فإنه يصاب بالجنون ” أو بمعنى آخر فلان مسه الجن حكاية شعبية صارت دعاية .
من يومها أذركت أن معلمي كان موهوسا بكل شيء , بعمامته البيضاء التي كان يلفها دائما فى رأسه , وقميصه الرمادى المعتاد, وصندله لأسود , . ومسواكه الطويل الذى يدوره يمنة ويسرة كأنه يفكر بأمر جلل أو تلقي بخبر محزن , وأحيانا كثيرا يفرح بسب ما لكننى اكتشفت أن أسعد أوقاته , لما أحد طلابه ينادى له يا شيخى أمى تناديك لتقرأ فلان , فيسعد لان تلك الأم تؤمن أن قراته مباركة , تكرمه وتضيفه بحليب ولحم طازج ويختتم بالفاتحه , معلمى كان وسيكون قدوة لنا جميعا , بحبه وحنيته.
وفي جفائه أقصى ما يستخدمه للعقاب مسواكه , معلمي كان علمه مباركا رغم قلة معرفته , نصحه كان يغير الأجيال , يتباركون على أقدامه , وعلما لا يتخرج كلية التعليم ولا يأخد ذبلوم ولا ماجستيرا فى تغير السلوك ولا حضر ندوات ودورات التدريب , وما درى ما يسمى سيكولوجية الأطفال , ولا ما مكان خبيرا بتدريس , ولكن كان يملك قدرة لتغير ومصداقية فى عمله وكان واعيا أن عمله قربانا لله , ولسان حاله يقول” خيركم من تعلم القران وعلمه ” حديث شريف .
يا معلمي لو كنت تعلم ما فعل بنا تلميدك لعجبت عجبا .
يبتع……….

