قالوا من أراد ان يفهم سلوك الغانيات ودلالهن وخبايا نفوسهن فليقرأ شعر عمر بن أبي ربيعة، فإنك لن تجد في الأدب العربي، وربما في الآداب العالمية من عرفهن كما عرفهم، ووصفهن كما وصفهم، وخاصة رائيته الشهيرة:
أَمِن آلِ نُعمٍ أَنتَ غادٍ فَمُبكِرُ .. غَداةَ غَدٍ أَم رائِحٌ فَمُهَجِّرُ
وقد كان الصحابي الجليل عبدالله بن عباس يحفظها ويعنى بها. وقد سمعت قبل أيام الشيخ محمد ولد الددو الشنقيطي يقرأها كلها عن ظهر قلب في حوار تليفزيوني، فاعجبت من سعة حفظه وتنوع محفوظاته، وليس من شك في ان غيرهم من العلماء عني بها وحفظها واستمتع بها.
وقد كان بدء حديثي بهذه القصيدة حين دخل علينا يوما أستاذ الأدب، وتحدث عن عمر بن ابي ربيعة وشعره وخصائصه وغزله، ثم قرأ علينا ابياتا مقطعة من قصائده الغزلية، ومنها هذه القصيدة التى أسلفنا ذكر مطلعها. ولم أكن اعرف قبل ذلك من الغزل الا مغامرات امري القيس العاطفية، وهيام العذريين وذوبانهم في روح المحبوبة واتحادهم مع المعشوقة اتحادا يشبه وحدة الوجود عند المتصوفة:
أَنا مَن أَهوى وَمَن أَهوى أَنا .. نَحنُ روحانِ حَلَنا بَدَنا
ثم اكتشفت في عزل ابن ابي ربيعة غزلا جديدا من نوع اخر، فلا هو بالجاهلي الذي يقف عند وصف محاسن الحبيبة الظاهرة، ولا هو بالعذري الذي يقدّس الحب ويؤلهه ويعبده، وانما يتغلغل في أعماق النفوس الانسانية، ويمثل حياة البيئة المدنية التي نشأ فيها أحسن تمثيل. وقد توطدت علاقتي مع عمر منذ ذلك اليوم، فأحببته وأحببت شعره، واعجبني غزله، ومعرفته بأحوال طبائع النساء، وخلجات نفوسهن، ومكنونات ضمائرهن، وأحاديث نجواهن، ووصف دلالهن، والتعبير عن ذلك كله باسلوب جميل سهل عذب يطرب النفس ويلذ السمع.
وقصيدته هذه من احبّ قصائده اليّ فحفظتها وأعود اليها الفينة بعد الفينة، وكان آخرها الليلة البارحة، استمعت اليها، وانا اسوق سيارتي، بصوت الاديب فالح القضاع، وهو صوت جميل اضفى على القصيدة بهاء وجمالا وروحا جديدة، حتى كأني لم اسمعها من قبل، فطربت لها اشدّ الطرب، وأعدت سماعها مرات ومرات، فلا يشبع منها لي ظمأ، ولا ينقع لي صدى. فوالله، ما أدرى أأعحب من جمال القصيدة، ام من ألحان هذا الصوت، الذي أسرني وخلب لبّي، وكأني أرى رأي العين شاعرنا عمر بن ابي ربيعة في ردائه المصبوغ ينشد قصيدته في جمع حاشد من الحجازيين في أيام ترفهم ونعيمهم، وأشم اريج العرف وروائح المسك التى تفوح من هذا الجمع الذي يهرف سمعه ويشرئب عنقه للاصغاء الى انشاد هذا الفتى المدلل المترف.
أحيي الاديب فالح القضاع الذي أحيا نفوسنا بعد موات، واشكره على هذا الاداء المتميز، وهذا الالقاء الفريد، وهذا الصوت الشجي الندي، فيه القوة، وفيه الوضوح، وفيه الجمال، وفيه الفحولة، وفيه تلك الروح العربية الأبية الاصيلة، وقبل كل ذلك وبعده فيه عبق الماضي وشذا عرف ايام جميلة خلّدها هولاء الادباء العباقرة العظام في كلمات خالدة لا يمحها مرّ السنين ولا يعف اثرها على امتداد العصور، وخلّدها استاذنا فالح القضاع بألحان صوته الخالد الذي يعزف على أوتار هذه الروائع، ما بقيت في الدنيا نفس تطرب للجمال، وقلب يهتز لوحي الإبداع، وآذان تصغي الى سجع الحمام، وعيون تنبهر بجمال الطبيعة، وما بثه الله في الافاق من اللوحات الفنية.

