عودة على أحمد!

المزيد للقراءة

عودة على أحمد.

كتبت قبل يومين كلمة مقتضبة تأبينية عن الفنان الصومالي الكبير الرّاحل أحمد علي عغال، رحمه الله، وذكرت مقطعا من أغنيته (أهي شروق الفجر؟). ثم خطر في بالي إشكال ظهر لي في قوله:

ma xaley ubax dhashoo?
dhagaha fidiyoo?
ka dharqaadey xareedoo?
dharabkii ku yaalbaa?

أم زهرة تفتّحت في هدأة اللّيل
ونشرت أكمامها
وجادت عليها السّماء
وأشرقَ الندى على صفحاتِها؟

وانثالت علي نفسي أسئلة: هل ثمة أزهار تتفتّح في الليل؟ ولماذا اختار الفنّان تشبيه حبيبته بزهرة ليليّة؟ وهل لهذه الزهور اللّيليّة ميزة على غيرها من أزهار النّهار؟ كانت هذه الأسلة تراودني، لأنني كنت أظن أن الأزهار لا تتفتّح إلا نهارا، ولم أقف فيما طالعتُ من كتب الأدب والشعر العربي على تشبيه يربط المحبوبة بزهرة لا تتفتّح إلا في الليل، ولا على حديثٍ عن مزايا الأزهار الليلية في قصائد الغزل. فلما بحثت في الموضوع، تبيّن لي أن هناك بالفعل أزهارا لا تتفتح إلا ليلا، منها ملكة الليل، وزهرة القمر، وشبّ الليل. وتمتاز هذه الأزهار بعبير فوّاح، ورائحة زكية، يفوح شذاها في الليل أكثر مما يفوح عبير كثير من أزهار النهار. ويبدو أن اختيار هذا التشبيه لم يكن اعتباطا، بل كان متكئا على ملاحظة دقيقة للطبيعة. وهذا يدل على أن مؤلف الأغنية لم يكن يعتمد على الموهبة الفطرية وحدها، وإنما كانت موهبته مصقولة بالتجربة، ومدعومة بمعرفة أحوال النبات وطبائع الأحياء، وهو ما أضفى على صورته الشعرية عمقا وجمالا.

رحم الله أحمد علي عغال، وأسكنه فسيح جناته. لقد رحل عن دنيانا، وواريناه الثرى بالأمس، ومع ذلك فما نزال نتعلّم منه حيّا وميتا. وهكذا شأن النفوس الكبيرة؛ تأبى إلا أن تنشر الجمال في جميع أحوالها وتقلبات حياتها، بل وحتى بعد رحيلها. ولقد سمعت مرة حوارا سأل فيه المذيع أحمد عمّا يحب أن يذكره الناس به بعد وفاته، فقال في تواضع الواثق وإخلاص المخلص: “ذلك أتركه للناس؛ فأنا فنان خدم وطنه، وأدّى دوره، وليس من شأني أن أقوّم نفسي.» ونحن نشهد -والنّاس شهداء الله على أرضه- أن أحمد قد خدم وطنه بأعزّ ما يملك، وبأحسن ما يحسنه وخُلق له، وهو فنّه. قدّم فنّا راقيا جمع بين جمال الكلمة، وصدق العاطفة، وسمو الذوق، فاستحق أن يبقى حيّا في ذاكرة الناس، وأن يظل أثره ممتدّا بعد رحيله.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عن وطنه وأهله ومحبيه خيرا.

ملاحظة: لم أقف على مولّف هذه الأغنية، فإن كان في الأصدقاء من يدلّنا عليه شكرناه.

عبدالواحد شافعي

Share

اقرأ هذا أيضًا