كلمات أتمنى أن يقرأها كل سياسي صومالي

المزيد للقراءة

كلمات أتمنى أن يقرأها كل سياسي صومالي

لقد تأملتُ كثيرًا في اللقاءات التي يجريها الإعلاميون مع كبار السياسيين في الصومال، ولاحظتُ أن عددًا غير قليل منهم أصبح يعاني من النسيان وصعوبة تذكّر الأسماء والشخصيات والأحداث. والأمر الذي يلفت الانتباه أن بعض هؤلاء كانوا يُعرَفون في السابق بسعة الثقافة، وقوة الحضور، وفصاحة اللسان، والقدرة على التعبير، ثم أصبحوا في السنوات الأخيرة يتحدثون بكلام مضطرب، وبعضهم ينظر إلى السقف محاولًا جاهدًا أن يتذكر، فلا تسعفه ذاكرته بشيء، أو يعجز عن إيصال فكرته بالوضوح الذي عُرف به من قبل.

ويُخيَّل إليَّ أن وراء هذه الظاهرة عوامل نفسية أو صحية تظهر آثارها في كثرة النسيان، وضعف التركيز، وشحوب الوجه، وتراجع الحيوية الذهنية. ولا أملك تفسيرًا علميًا دقيقًا لها، ولا أعرف أسبابها الحقيقية، لكنني أرى أنها مسألة واقعية تستحق الدراسة والبحث، خاصة أنها تتكرر لدى شخصيات عُرفت زمنًا طويلًا بالذكاء، وسرعة البديهة، وقوة الذاكرة.

ولعل ما يزيد الأمر غرابة أن بعض هؤلاء السياسيين كانوا في مراحل سابقة أصحاب هيبة وحضور وتأثير، يتحدثون بثقة واتزان، ويجيدون عرض أفكارهم والدفاع عنها، ثم طرأ على بعضهم تغيّرٌ واضحٌ في أسلوب الحديث وطريقة التفكير والاستجابة للأسئلة. والأغرب أن كثيرًا منهم لم يبلغوا مرحلة الشيخوخة بعد، كما أن أوضاعهم المادية جيدة للغاية، وكان عطاؤهم السياسي والفكري حاضرًا وقويًا قبل سنوات، غير أن عوامل خفية لا نعرف حقيقتها تبدو وكأنها قد نالت من ذاكرتهم وقدراتهم الذهنية.

كما أن بعضهم أصبح يتحدث بكلام يراه كثير من الناس بعيدًا عن المستوى الذي عُرف به سابقًا، مع أنه كان صاحب مكانة وهيبة وسلطة. وهذا التحول لا يبدو أنه جاء من فراغ؛ فحين يتحول سياسي كان رمزًا للتأثير والحضور إلى شخصية تثير الشفقة أكثر مما تثير الإعجاب، فإن ذلك يدعو إلى التأمل في حالته النفسية أو الذهنية. ومن العجائب أيضًا أن بعضهم أصبح محلًّا للسخرية لدى الأجيال الشابة بعد أن كان نجمًا يُشار إليه بالبنان. فهذه الأجيال لم ترَ منه إلا التلعثم في الكلام، وضعف التعبير، وكثرة النسيان، وتراجع المواهب، حتى لم يبقَ في نظرها سوى صورةٍ للجسد وشيءٍ من الاسم الذي صنعه عبر سنوات طويلة.

ومن السياسيين أيضًا من يتمتع بقبول شعبي، ويمتلك فرصًا تاريخية وأدوات تأثير كبيرة، لكنه يبدو مثقلًا بالحزن أو الإرهاق النفسي. فتراه غائبًا عن الساحة وهو في الوقت نفسه رقم مهم فيها، وكأن شيئًا ما يستنزف طاقته ويضعف همته وينال من عزيمته. ويظهر ذلك أحيانًا في طريقة كلامه، ونظراته، وحضوره العام، فيبدو متعبًا ومنهكًا على نحو يلفت الانتباه.

إن السياسيين في الصومال بحاجة إلى أن يراجعوا أنفسهم بين حين وآخر، وأن يتصالحوا مع ضمائرهم، وأن يحرصوا على الكسب الحلال والعيش المتوازن، وألا يفرطوا في السهر أو الانخراط في القيل والقال، وألا يقضوا الساعات الطويلة في المكالمات والجدالات التي تستنزف الأعصاب والذهن. كما أنهم بحاجة إلى تجنب الظلم والتعدي على حقوق الناس؛ فالمظالم تترك آثارًا ثقيلة على النفوس والأفراد والمجتمعات.

ومن المهم كذلك أن يتقبّل السياسي خسارة المنصب أو النفوذ أو المكاسب بروح متسامحة واتزان نفسي، وألا يجعل السلطة محور حياته كلها، حتى لا تتحول الخسارة السياسية إلى صدمة نفسية أو حالة من الإحباط والاكتئاب. كما أن من الحكمة ألا يثق بالناس ثقة عمياء، وألا يتحدث بكل ما يخطر بباله، وأن يحافظ على قدر من التحفظ والاتزان.

وأرى أيضًا أن بقاء السياسي بعيدًا عن الناس فترات طويلة، محاطًا بالحراسات والجدران والمكاتب المغلقة، قد يحرمه من التواصل الطبيعي مع المجتمع. فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وتجدد روحه يتطلب قدرًا من الاختلاط بالناس، والاستماع إليهم، ومشاركتهم أفراحهم وهمومهم، دون إفراط أو تفريط.

وفي النهاية، فإن السياسي، كغيره من الناس، يحتاج بين حين وآخر إلى مراجعة نفسه، والاهتمام بصحته الجسدية والنفسية، والابتعاد عن أسباب التوتر والاستنزاف، والمحافظة على نمط حياة متوازن؛ فالمناصب قد تمنح النفوذ والسلطة، لكنها لا تعفي صاحبها من التعرض لضغوط وأزمات نفسية مؤلمة،

Share

اقرأ هذا أيضًا