كوخ معرض عيدكو — بين الأمس واليوم
كان هناك بيت صغير من الصفيح ملاصق لـ معرض عيدكو (Carwo Iidko)، تسكنه أسرة فقيرة. وكان أمام البيت حمار يستخدمه رب الأسرة في العمل، ليكسب من خلاله قوت يومه ويوفّر لأبنائه وأسرته متطلبات الحياة.
وكان معرض عيدكو آنذاك معرضًا كبيرًا ومجهزًا تجهيزًا جيدًا، يرتاده أصحاب الأموال وكبار المسؤولين ووجهاء المدينة.
ولذلك رأى بعض المسؤولين والأثرياء في ذلك الوقت أن ذلك البيت الصفيحي والحمار المربوط أمامه يسيئان إلى جمال المعرض ومظهره العام.
وبعد مدة، أرسل أصحاب المعرض سماسرة العقارات إلى الأسرة التي تسكن البيت الصفيحي، طالبين منها بيع منزلها لأصحاب المعرض، بحجة أن مظهره — بحسب رأيهم — يشوّه المكان ولا يتناسب مع واجهة المعرض.
غير أن رب الأسرة، وكان رجلًا بسيطًا يعتاش من كدّ يده وعرق جبينه، رفض بيع المنزل الذي يؤوي أسرته.
وبمرور الوقت، تحولت القضية إلى حديث واسع الانتشار في مدينة مقديشو. وقيل إن الأسرة تعرضت لضغوط باسم الدولة، وقيل لها: إما أن تصلحوا المنزل وتعيدوا بناءه، وإما أن تبيعوه لمن يريد شراءه؛ فلا يمكن القبول ببقاء بيت من الصفيح يشوّه جمال المدينة.
وقد ضخّم بعض السياسيين من أبناء قبيلة الهوية هذه القضية، وحولوها إلى قضية سياسية تُنتقد من خلالها الحكومة، ويُستدل بها على أنها تنتهك حقوق الفقراء وتتعدى على ممتلكاتهم.
وفي نهاية المطاف، قيل إن عددًا من تجار الهوية تكفلوا ببناء منزل متعدد الطوابق للأسرة، رغبة منهم في رفع الضغوط عنها وإنهاء المطالبات المتكررة ببيع منزلها. وتحولت تلك الحادثة حينها إلى رمز للتضامن مع الفقير، وصون مسكنه، والدفاع عن حقه في ممتلكاته.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم:
إذا كانت حادثة وقعت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تتعلق ببيت واحد من الصفيح، قد تحولت إلى قضية كبرى وإلى شرارة استُخدمت في تأجيج المعارضة ضد الحكومة، فماذا يمكن أن يقال اليوم عن الشكاوى المتعلقة بتهجير الفقراء، وهدم منازلهم، والاستيلاء على ممتلكاتهم العقارية؟
واليوم، في ظل وجود عدد كبير من القيادات السياسية في البلاد من أبناء قبيلة الهوية، وفي وقت تُعد فيه مقديشو المركز الأكبر لتجار هذه القبيلة، يصبح من المشروع والضروري أن نتساءل:
ما الذي تغيّر؟
وما حجم الدور الذي يؤديه سياسيون وتجار من قبيلة الهوية في المظالم التي يشكو منها فقراؤها اليوم؟
إذا كان وجهاء قبيلة الهوية بالأمس قد وقفوا دفاعًا عن أسرة فقيرة لم تكن تملك سوى بيت واحد من الصفيح، فكيف يمكن اليوم تفسير شكاوى آلاف الأسر الفقيرة من هدم مساكنها، وتهجير عائلاتها، وسلب ممتلكاتها، ولا سيما حين تُوجَّه أصابع الاتهام في كثير من تلك المظالم إلى ساسة وتجار من أبناء القبيلة نفسها؟
وإذا استُخدم النفوذ الاقتصادي أو السياسي لحرمان الإنسان الفقير من مسكنه أو ممتلكاته، فما الفرق بين الظلم الذي كان أبناء قبيلة الهوية يرفضونه بالأمس، والظلم الذي يُرتكب اليوم على أيدي بعض أصحاب النفوذ من أبنائها، على حساب فقرائها ؟
هل تغيّر مفهوم الظلم، أم أن الذي تغيّر هو مَن يملك السلطة والنفوذ؟
إن للتاريخ قيمة حين نحتكم إلى معاييره بالقدر نفسه في الأمس واليوم. فإذا كان الاعتداء على حقوق الفقير يُعد ظلمًا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، فيجب أن يبقى ظلمًا اليوم. وإذا كانت ممتلكات المواطن مصونة بالأمس، فينبغي أن تكون مصونة اليوم. وإذا كان حق الضعيف يستحق أن يُدافع عنه بالأمس، فهو يستحق الدفاع عنه اليوم أيضًا.
فالعدالة لا قبيلة لها، ولا حزب، ولا زمن، ولا أشخاص تحتكرهم دون غيرهم. وما كان ظلمًا بالأمس لا يمكن أن يصبح عدلًا اليوم لمجرد أن الذين يملكون القوة والنفوذ قد تغيّروا.
ويبقى السؤال الأكبر: إذا كان بيت واحد من الصفيح قد تحول بالأمس إلى رمز سياسي ترك أثرًا كبيرًا في مشاعر المجتمع، فما الذي قد يحدث اليوم إذا تزايدت شكاوى الناس من هدم المنازل، وتهجير الفقراء، وانتهاك حقوقهم في ممتلكاتهم؟
إن المجتمعات لا تنسى الظلم الواقع على ضعفائها، والشكوى التي يجري تجاهلها اليوم قد تتحول غدًا إلى غضب اجتماعي متراكم. وإذا لم يُعالج ذلك الغضب بالعدل والإنصاف، فقد تترتب عليه عواقب يصعب احتواؤها، كما شهد الصومال في ثمانينيات القرن الماضي، حين أسهم تراكم المظالم والاحتقان السياسي والاجتماعي، إلى جانب عوامل أخرى، في تفاقم الصراع الذي انتهى بسقوط الدولة المركزية.
ولذلك فإن قصة «كوخ معرض عيدكو» ليست مجرد حكاية من زمن مضى، بل هي مرآة ينبغي أن ننظر فيها إلى واقعنا اليوم، وأن نقيس من خلالها مدى فهمنا للعدالة، وحرمة الملكية، وواجب حماية الإنسان الضعيف.
فإذا كنا قد أشدنا بالأمس بمن وقفوا دفاعًا عن أسرة فقيرة واحدة، فماذا نقول اليوم حين تطالب آلاف الأسر بالعدالة وحماية مساكنها وممتلكاتها؟
إنه سؤال ينبغي أن نجيب عنه اليوم، قبل أن يكتب التاريخ غدًا إجابته بنفسه.
بقلم: علي أحمد محمد المقدشي

