مأسور ما له حيلة

المزيد للقراءة

حبيبي! ‏
‏ هل مرتْ بك ساعات وساعات لا تجد فيها دقيقة واحدة ترفع فيها قلما؛ لتدوِّن شيئا، أو ‏تجيب عن سؤال، أو تعلِّق على قضية، أو تستفسر عن أمرٍ ما، لم أر في حياتي مثل رأيتُ هذا ‏الأسبوع من شغل انغَمستُ فيه كما ينغمس الغريق في لجج الماء، حتى كظَم أنفاسي، وسدّ ‏آذاني، وضيق صدري حتى جعله كالكِيرِ ملأ وتفريغا، فلا تجدني إلا بين جذب “أغسجين” ‏وإفراغ “هيدرجين”، إلى ظنَّ من رآني بأني عليل، وما بي علةٌ إلا قلة الوقت، وتراكم الواجبات، ‏حتى كدتُّ لا أنجز معظمَ واجباتي، ولا أؤدي مألوفاتي، إذ الغرامات أكثرُ من الأوقات! ‏

كتبتُ في الأسبوع الماضي شيئا من شعر جال في ذاكرتي، فأذنت له القرطاس، فسال كما أراد ‏لا أوجهه إلا نادرا، ولا أعلقه إلا قليلا، بخلا عليه بأوقاتي، وكرها انكدار مزاجه، وإطلاقا يد ‏اختياره، فلما دنى مخاضه، وحصحص أمره، وجرى بأمر الله على الحاسوب، ومنحه الورد مأمنا ‏ومحفظا، ثم رماه إلى ساحة “وتس آب” وقع بين النقاد الذين امتهروا على النقد الخفي الخفيف، ‏ولكنهم ما حكوا قرحة إلا أدموها، وما ذكروا هناة إلا حتُّوها، ومع هذا نقدهم واغل الأثر، بعيد ‏الجراحات، كثير الفوائد، به تدر الذاكرة، وتستعر العاطفة، وتكثر الكتابات المفيدة، وبه يظهر ‏ما في الوطاب، وتحدم المعارك، وتدور الحروب، حتى إذا غلت القدور، وحنقت الصدور، تداخل ‏مجموعة المراقبة أو المحركة من وراء الستار خوفا من اتساع الرقعة على الراقع، وخروج الأمر على ‏السيطرة، وانفجار الوضع، فيفعّلون أدوات الإطفاء بلباقة حاضرة، وخبرة عريقة، فترقع الخرق، ‏وتصلح الخلل، وتصف البلسم، وتجمع الشتات، وتلملم الانشطارات، وتجبر الكسير، وتبرد الجو، ‏وتعيد السيل إلى مجراه..‏

‏ كنت أرمق النقاد وهم يرشقون سهام نقدهم على أشلاء ما أسميه شعرا، وهم يسمونه شبيها له ‏وما هو، وكنت محبوسا، أرسف بأغلالي، وأسرني الزمان، حتى عجزت عن دفاع بنت أفكاري، ‏وسانحة خيالي، وسحابة أحلامي، ووسعوها أمامي ضربا، ووكزا، وركلا، وخنقا، وما أغنيت عنها ‏شيئا إلا مرتين اختلست يدي اختلاسا فرميت طلقتين مرادفتين، لم يصيبا هدفا، ولم يشفيا ‏غليلا، حتى قيض الله لي مهندسا خفف بعض لوعتي، ودافع عن شعري بأنه من النوع الذي ‏يسمونه “بالشعر الحر الذي يحرر من قيود القافية، ولا يتحرر من الأدب والعاطفة الصادقة، ‏وهناك دواوين لشعراء على هذه المنوال”. ‏

ومع هزي رأسي لشكر المهندس بذبه عن شعري، وإعطائه شيئا من مصداقية بخل بها الزملاء؛ إلا ‏أنني ما رأيت مندوحة أن أضيف للبيت قصيدة، وللدفاع آية، وللحجة حقيقة؛ وعليه فإن ‏شعري لم يتحرر عن القافية؛ لأن من القافية “الوصل” ومنها الياء المكسور ما قبلها، وقد تشبع ‏الكسرة فتنشأ عنها “ياء”، ويجوز عند الكتابة حذف الياء والاكتفاء بالكسرة التي قبلها، وهو ما ‏فعلت، ولو كنت أعلم أن إظهار الياء ترضيكم لفعلتُ، ولكنني اكتفيت بما هو معروف، ولكنني ‏أضيف إليها الياء ليسهل لكم الحكم:‏

*‏(سحابة الحلم )‏*

‏١- وفي ليلة أبصرتُ دهشا لدى نومي
‏ سحابة تفجرت في أراض حجازِي

‏٢- فأحيت رفاة ناخرات في ثوَانِ ‏
وهبوا ذعرا وخوفا عن السباتِي ‏

‏٣‏‎- ‎تفقدوا عن الأوضاع من مجد أجدادِ
وثاروا على الطغاة وما أبقوا من الحثالِي

‏٤- وأتمّوا لدين الله ما باد من أركانِ ‏
وهناك سحاب نحو نجد ويمانِي ‏

‏٥- وأبراقهُ فوق السما أرض قحطانِ
وأحيا قلوبا مزقوها بأوصالي

‏٦- بلا اختلاف أجمعوا بعد سيلِ ‏
ورصوا صفوفا على قلب واحدِي

‏٧- ومرت على إثر بأرض كنانِ
ونقَّت بأبدان وقلوب صغارِي

‏٨- فأحيا صلاحا ولْد أيوب أوابِ
وقاد جيوشا عارمةْ نحو شامِي

‏٩- وألقت ظلالها فوق أرض فلسطينِ
وعاشت فلسطين بأمن وحبورِي

‏ ‏‎#‎يوسف‎ ‎أحمد محمد

Share

اقرأ هذا أيضًا