مشكلة إفريقيا في المساحة؟

المزيد للقراءة

هل مشكلة إفريقيا في المساحة؟
الثاني بين الصومال وسنغافورة: مساحة الأولى 637.657 كم2، أما مساحة سنغافورة فتصل 743 كم2 فقط، أي أن الصومال أكبر من سنغافورة ب 800 ضعف وزيادة. عدد سكان الصومال قرابة 20 مليون، مقابل 6 مليون لسنغافورة. ومع ذلك فالناتج المحلي للصومال يصل 14 مليار تقريبا، مقابل 660 مليار دولار لسنغافورة. أما متوسط الدخل الفردي للصومال قرابة 800 دولار فقط، مقابل 70.683 دولار لسنغافورة في السنة.
سنغافورة تتمتع بأفضل جودة تعليم في العالم، ولديها أفضل مطار في العالم، إلى جانب أفضل جواز سفر في العالم، وثاني أفضل خطوط طيران في العالم بعد القطرية، كل هذا تملكه سنغافورة، بينما الصومال في كل هذه المؤشرات يزحف في آخر القافلة، أو أنه غير مصنف وبعض المؤشرات غير موجودة أصلا. الاقتصاد الرقمي، والخدمات المالية، والبحوث والتطوير، والخدمات اللوجستية كلها مجالات تتقدم فيها سنغافورة على الصومال بملايين السنوات ضوئية. كل هذا وسنغافورة لا تملك مصادر وثروات طبيعية تُذكر، أما الصومال فقد حباه الله بكل الثروات الطبيعية. إذن، فماذا ربح الصومال من المساحة الكبيرة؟ وماذا خسرت سنغافورة بقلة مساحتها؟

إذن، فالصومال أكبر مساحة بفارق هائل،  وأكثر في عدد السكان، والثروات الطبيعية موجودة فيه أكثر بكثير مما هي في سنغافورة؛ ومع ذلك فالنتيجة كاسحة لصالح سنغافورة، لماذا؟ على غرار قول عليّ رضي الله عنه في التيمم (لو كان الدّين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه) نقول: لو كانت المساحة هي وراء نهضة الشعوب وتقدمها، لكان الصومال أكثر تطورا وتقدما على سنغافورة. وكذلك روسيا على أمريكا، والسودان على هولندا، ونيجيريا على كوريا الجنوبية، والجزائر على سويسرا، وليبيا على ألمانيا، ومصر على اليابان؛ وهكذا. ومن جانب آخر لو كانت المساحة الفيصل في قوة الأمم والشعوب، لما استعمرت البرتغال، البرازيل؟ ولما تمكنت هولندا من استعمارا إندونيسيا؟ ولما احتلت فرنسا الجزائر؟ ولما سيطرت بريطانيا على نصف العالم أو ثلثه في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر؟ إذن فمن المؤكد أن المساحة ليست العامل الرئيس في قوة الأمم ونهضتها وريادتها وتقدمها، مع عدم إنكار أهميتها.

إذن، ما هو العامل الرئيس في نهضة الأمم وتقدمها، الغائب عن أفريقيا أو أشبه بالغائب؟  إنه الإنسان، الذي يجعل المساحة الكبيرة مفيدة، تساعد في نهضة البلاد كما في الصين، أو يجعلها دون فائدة، بل عبئا عليه كما في الصومال وأمثالها. إنه الإنسان، الذي جعله الله خليفة في الأرض، وجعل مهمة استعمار الأرض ملقاة عليه، بينما كل مشروع استعماري خارجي، أو دكتاتوري داخلي يبدأ من تحطيمه أو جعله ربيبا مطيعا. إنّه الإنسان الذي قدّم استقالته في إفريقيا ونظيراتها من العالم مجبرا حينا، ومختارا حينا آخر من مهمته في تعمير الأرض؛ وإذا قام بها، أتى بها عرجاء عمياء. فالإنسان الإفريقي ونظيره من العرب والعجم لم يقم بالنهضة المعرفية، الكفيلة بالنهضة الصناعية والتكنلوجية، فكيف يقوم بالنهضة العامّة؟ طالما لم يقم بالخاصّة؟

وأخيرا النهضة الأفريقية ليست حلما مستحيلا، بل هي مشروع تؤيده كل المعطيات الديموغرافية والجغرافية والموارد الطبيعية. التحدي ليس في غياب الإمكانيات، بل في إرادة التغيير، إذ هي بحاجة إلى عوامل عدة أساسية ليس من بينها المساحة الكبيرة بقدر ما هو الإنسان الكبير عقلا وعلما ومعرفة ونضجا وانتاجا، والمجموعة التالية في المقدمة:
1. الأمن والاستقرار السياسي: فيجب أن تختفي الحروب الأهلية والداخلية في أفريقيا، وأن تتوقف الانقلابات من قاموس القارة، ويعم الأمن؛ عندها قد تضع القارة قدمها على الطريق.
2. بناء الإنسان والاهتمام به قبل غيره وأكثر من أي مجال آخر علميا ومعيشيا؛ حتى يستطيع القيام بالمسؤوليات المنوطة به، ويستطيع التحرر من القيود الخارجية؛ لأن من لا يملك قوته لا يملك قراره كما قالوا قديما.
3. الاعتماد على الذات: المساعدات الخارجية وحدها لم تُنهض أفريقيا منذ الاستقلال المزعوم، بل أبقتها أسيرة لشروط المانحين. والدول المتقدمة لم تبُن على المساعدات، بل على أيدي وسواعد واختراعات أبنائها. فقد تكون هناك مصالح مشتركة بين الدول، ولكن التبعية مرفوضة تماما.
4. أن تمتلك أفريقيا السيادة والسيطرة على مواردها الطبيعية، سواء في باطن الأرض أو على سطحها؛ عندها ستبدأ التحرر الحقيقي من التبعية.
5. شن حرب ضروس لا هوادة فيه على الفساد وأركانه، كما فعل رئيس سنغافورة السابق -المؤسس والأب الروحي للبلاد- لي كوان يو. ولا تنهض القارة وغيرها من البلاد دون محاربة الفساد بقسوة وبجدية.
6. إصلاح القوانين وتحقيق العدالة: لم تقم نهضة في التاريخ بغير منظومة قانونية قوية تحميها وترعاها. فالدول التي نجحت حديثا كاليابان وكوريا الجنوبية وماليزيا، قامت بإصلاح القوانين، قبل بناء المصانع وقبل تدفق الأموال وقبل عقد شراكات خارجية أو داخلية. وكلها أسست أولا منظومة قانونية تحمي الاستثمار وتعاقب الفساد. وأفريقيا اليوم أمام نفس الاختبار الحضاري.

عبد العزيز عرتن
عبد العزيز عرتن
كاتب وباحث

Share

اقرأ هذا أيضًا