تعيش العاصمة مقديشو أجمل أيامها فقد عاد الأمن والأمان إلى ربوعها، وشعر الناس فيها بالسلام، وأصبحت مدينةً حرةً من الخوف والقلق. وأرى بشكل غير مسبوق ذاكرةً جماعيةً تتشكل لأول مرة منذ عقود؛ أرى شبابًا يتطوعون لتنظيف الشواطئ الجميلة والخلابة، ورحلاتٍ سياحيةً ينظمها الشباب لمدنٍ مجاورةٍ للعاصمة
وأرى المرء حين يزور العاصمة يحمل لأصدقائه وجيرانه هدايا كما كان الحال في الأيام الخوالي، وأرى النخبة تلتقي في المقاهي والمناسبات، تتبادل الآراء، وتشكل معًا الوعي الجمعي والعقل الاجتماعي. كما أرى شعب العاصمة يشهد حالة نمو في مختلف مجالات الحياة، وهندسةً عمرانيةً جميلة يمكن وصفها بثورةٍ عمرانية، وربما تكون مقديشو واحدة من أكثر مدن شرق أفريقيا استقطابًا للاستثمار الصومالي
وأرى بكل إعجاب أهل العاصمة وهم يعرفون الماركات التجارية الصومالية، ولكل شخصٍ ذوقه ومحلاته التي يفضلها، ويتناقشون في البضائع والجودة، في مشهدٍ يعكس وعيًا استهلاكيًا متناميًا. وأرى أطباء وإعلاميين ومهندسين وأساتذة جامعات وجراحين وموظفين في شركات وطنية لهم حضورٌ وقبولٌ اجتماعي
ومن الأمور التي تفرح القلب أيضًا عودة أصحاب المواهب وأهل المهن والحرف من أوروبا وأمريكا والوطن العربي؛ وبعودتهم وجد الشباب في الوطن فرصةً لتعلم تلك المهن والخبرات والثقافات. ولكن أجمل ما في العاصمة الصومالية هو روح الأمل التي تسكن الجميع، في وقتٍ يعيش فيه بعض أهل الأقاليم حالة اكتئابٍ جماعي وهجرةٍ للعقول
وأرى أيضًا اعتكافَ الشباب في المساجد في شهر رمضان، وكثرةَ الولائم في الحارات، وتزيينَ الأزقة، وعودةَ الحياة الطبيعية إلى المدينة القديمة والأحياء الجديدة، وظهورَ شوارع عامرةٍ بالناس ليلًا ونهارًا، مزينةٍ بالأضواء والديكورات الجميلة، في مشهدٍ يبعث في النفس طمأنينةً وحنينًا إلى زمنٍ كانت فيه الحياة أبسط وأقرب إلى الفطرة
وأرى حضورَ العلماء، وكبارَ رجال الدولة، والقادة، والضباط، ورجال المال والأعمال، وحملة الأقلام، ورجال الإعلام، والخبراء المخضرمين، والموهوبين، وأولاد العاصمة وعيال الحارات، يجتمعون جميعًا في حفلات الزفاف وعقود القِران، يجلسون في صفٍ واحد، بلا حواجز ولا تكلف، في جوٍ تسوده المودة والتواضع، وكأن المدينة بكل أطيافها تعود إلى أصلها الأول: مجتمعٌ متماسك، يعرف بعضه بعضًا، ويأنس بعضه ببعض
وتشتهر العاصمة الصومالية بكون البضائع مثل الخضروات والفواكه تباع فيها بثمن رخيص للغاية، وهي من العواصم الكبرى في العالم والتي تتميز بهذا الأمر؛ وذالك لقربها من مدن زراعية وأقاليم فيها أنهار، وهي أيضًا مدينة ساحلية، ومدينة إسلامية عريقةً ذات تاريخ ضارب بالقدم، وقد كانت منطقة صناعية قبل انهيار الحكومة الصومالية، وهي رمز من رموز المقاومة تاريخيًا، فقد تصدت لهجمات البرتغاليين في أوج قوتهم، وصمدت أمام أطماع الحبشة، واحتلها الإنجليز مرة وفي وقت احتلالهم لها ظهر لأول مرة أهم حزب في تاريخ النضال الصومالي واقصد طبعا حزب SYL..وكافحت ضد الاحتلال الإيطالي، وقصتها مع الأمريكيين وجنود الولايات المتحدة معروفة، وهي مدينة صمدت أيضًا أمام الإرهاب العالمي والتنظيمات الحركية المتطرفة، وقاومت أباطرة وزعماء الحروب الأهلية
وأقول من كل قلبي: ما شاء الله… ولعل القادم أجمل

