هل الشخصية الصومالية بطبيعتها متمردة على تطبيق القانون؟

المزيد للقراءة

هل الشخصية الصومالية بطبيعتها متمردة على تطبيق القانون؟

مقدمة:

الإنسان ابنُ بيئتِه

ليس الإنسان كائناً منفصلاً عن محيطه، بل هو ابنٌ لبيئته الجغرافية، ونمط عيشه، وطبيعة علاقاته الاجتماعية والاقتصادية. فطريقة اكتساب الرزق، وشكل التفاعل داخل المجتمع، يتركان أثراً عميقاً في بناء الشخصية الفردية والجمعية، وفي تشكيل نظرة الإنسان إلى السلطة والنظام والقانون.

وفي هذا السياق، يقرر الفيلسوف والمؤرخ الإسكتلندي ديفيد هيوم أن الطبيعة البشرية في أصلها متقاربة، وأن الاختلافات الكبرى بين الشعوب لا ترجع إلى الفطرة المجردة، بقدر ما ترجع إلى اختلاف البيئات والمؤسسات والظروف المحيطة بالإنسان.

وقد عبّر عن ذلك بقوله:
«إن الطبيعة البشرية تكاد تكون واحدة في كل زمان ومكان، وإنما تنشأ الفروق من اختلاف العادات والظروف والمؤسسات».
انظر: David Hume, An Enquiry Concerning Human Understanding, Section VIII).

وانطلاقاً من هذا المعنى، فإن الشخصية الصومالية ليست ظاهرة منفصلة عن سياقها التاريخي والجغرافي، بل هي ثمرة تفاعل ممتد عبر قرون طويلة بين الإنسان الصومالي وبيئته الصحراوية القاسية، وبين الإنسان ومحيطه القبلي والاجتماعي.

لقد صاغ الصوماليون حياتهم وفق مقتضيات واقعهم؛ فأنشؤوا أعرافهم، ونظمهم الاجتماعية، وآليات فضّ النزاعات التي تلائم نمطهم المعيشي.
وحتى بعد دخول الإسلام وانتشاره في الصومال، فإن التطبيق العملي للأحكام الشرعية في مجالات الأسرة والمعاملات والجنايات ظل متأثراً بالواقع الاجتماعي والرعوي، دون أن يعني ذلك رفض الشريعة أو الخروج عن أصولها، بل كان نوعاً من التكيّف العملي بين النصوص والواقع.

وهذا ينسجم مع ما يقرره أنصار “المذهب الاجتماعي في القانون”، الذين يرون أن نجاح القانون لا يتوقف على عدالته النظرية فحسب، بل على مدى انسجامه مع البيئة الاجتماعية والنفسية للمجتمع الذي يُراد تطبيقه فيه؛ لأن القانون إذا انفصل عن واقع الناس وعاداتهم بقي نصاً معلقاً عاجزاً عن صناعة الاستقرار.

ثقافة الارتحال وأثرها في الوعي الجمعي

تاريخياً، ارتبطت الحياة الصومالية ـ في جانب كبير منها ـ بثقافة الظعن والترحال. فالرعوي الصومالي كان يتحرك باستمرار مع قطعان الماشية طلباً للمطر والكلأ، مما جعل “الحركة” جزءاً أصيلاً من فلسفة الحياة ذاتها.
في هذا النمط المعيشي لا توجد إقامة دائمة بالمعنى الحضري المستقر، بل يعيش الإنسان على توقع دائم للتغير والانتقال؛ فالمكان مؤقت، والاستقرار مؤقت، وحتى التجمعات البشرية نفسها قابلة للتفكك وإعادة التشكل تبعاً لتحولات البيئة والمناخ.
وقد أورثت هذه البيئة الصحراوية القاسية الإنسان الصومالي صفات الصبر والتحمل والاعتماد على النفس، لكنها في الوقت نفسه غرست فيه شعوراً داخلياً بعدم الثبات، وبأن الحياة سلسلة متواصلة من “الانتقالات” لا من “الاستقرار”.

ومن هنا يمكن فهم جانب من التوتر التاريخي بين الشخصية الرعوية وبين فكرة “القانون الجامد” أو “النظام المركزي الصارم”؛ لأن النفس التي اعتادت الحركة المستمرة يصعب عليها التكيف السريع مع أنظمة تقوم على الثبات والانضباط طويل المدى والتراتبية البيروقراطية المعقدة.
ولهذا لم يكن وصف الصوماليين بأنهم “شعب مرتحل” مجرد وصف جغرافي، بل هو وصف يحمل دلالة نفسية واجتماعية عميقة؛ إذ إن علاقتهم بالأرض كثيراً ما كانت علاقة عبور وانتفاع، أكثر منها علاقة استقرار دائم وبناء تراكمي طويل الأمد.

جدلية البداوة والحضارة

هذه الجدلية بين حياة البداوة والاستقرار الحضري تناولها العلامة ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حين قارن بين أهل البدو وأهل الحضر، مبيناً أثر نمط العيش في تكوين الطباع والسلوك السياسي والاجتماعي.

فقد رأى أن البدو يعيشون حياة قائمة على الضروري من العيش، بعيدة عن التعقيد الحضري، وأنهم أقرب إلى الفطرة الأولى، بينما ينشغل أهل الحضر بالترف والكماليات. ثم أشار إلى أن أهل البادية أبعد عن الخضوع للأحكام السياسية المنظمة؛ لأنهم يعيشون بروح الحرية والاستقلال، ولا يخضعون إلا لسلطة العصبية القبلية أو شيخ القبيلة. (انظر: مقدمة ابن خلدون، الباب الثاني، الفصل الرابع والخامس)

ومن عباراته الشهيرة في هذا الباب قوله: “الإنسان ابنُ عوائده ومألوفه، لا ابنُ طبيعته ومزاجه”.

وهذه العبارة بالغة العمق في تفسير السلوك الاجتماعي؛ إذ تؤكد أن ما يعتاده الإنسان عبر الزمن يتحول إلى “طبيعة ثانية”، يصعب تغييرها بالقوانين المجردة وحدها.
ومن هنا، فإن الشخصية الصومالية الرعوية تشكلت في بيئة يغلب عليها التغير والتفاوض والحركة، الأمر الذي جعل فكرة “الثبات على نظام قانوني صارم ومركزي” تبدو ـ تاريخياً ـ أقل انسجاماً مع البناء النفسي والاجتماعي التقليدي.

“ديمقراطية الرعاة” ونسبية السلطة: ومن أبرز من درس هذه الظاهرة في العصر الحديث عالم الأنثروبولوجيا البريطاني إي. إم. لويس في كتابه الشهير Pastoral Democracy، الذي جاء ثمرة معايشة طويلة للمجتمع الصومالي الرعوي.
وقد وصف لويس المجتمع الصومالي بأنه مجتمع يقوم على نوع من “المساواة القبلية”؛ حيث لا توجد سلطة مطلقة مستقرة فوق الجميع، بل تُدار العلاقات عبر التوازنات القبلية والتفاوض المستمر.

فالقبيلة كانت ـ تاريخياً ـ تمثل مركز الحماية والانتماء والشرعية، بينما كانت الأعراف القبلية (Xeer) تؤدي وظيفة تنظيم العلاقات وفضّ النزاعات، في ظل غياب دولة مركزية قوية تحتكر القوة وتفرض النظام العام بصورة دائمة.
ولهذا أصبحت الشخصية الصومالية شخصية تفاوضية بطبعها؛ فالصومالي يناقش، ويجادل، ويتفاوض في معظم شؤونه، ويجد في المرونة العرفية مساحة أوسع من تلك التي تمنحها القوانين الحديثة الجامدة.
ولم يكن غياب “النظام العام” بمفهوم الدولة الحديثة ناتجاً عن حب الفوضى، بل عن اختلاف تاريخي في شكل السلطة وآليات إدارة المجتمع.

بين القانون والواقع: أين تكمن المشكلة؟

إن اختزال الشخصية الصومالية في وصفها بأنها “متفلتة من القانون” يعد تبسيطاً مخلّاً لواقع اجتماعي وتاريخي معقد. فالمشكلة ليست في رفض النظام من حيث المبدأ، وإنما في طبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمع الصومالي وبين السلطة المركزية والقانون المفروض من أعلى.

فالصومالي، بحكم تكوينه الاجتماعي، يميل إلى القانون الذي يشعر بأنه نابع من بيئته ومتسق مع عاداته ومصالحه، لا إلى القوانين المستوردة التي تُفرض دون مراعاة البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع.
ولهذا فإن كثيراً من مشاريع الدولة الحديثة في الصومال اصطدمت بإشكالية عميقة: محاولة بناء مؤسسات وقوانين حديثة بمعزل عن فهم البنية القبلية والرعوية التي تشكل الوعي الجمعي للصوماليين.

خاتمة

إن الشخصية الصومالية ليست شخصية رافضة للقانون بطبيعتها، وإنما هي شخصية تشكلت في بيئة تاريخية تقوم على الحرية الحركية، والاستقلال القبلي، والتفاوض العرفي، أكثر من قيامها على مركزية الدولة الصارمة.
ومن ثم، فإن أي مشروع إصلاحي حقيقي في الصومال لا بد أن يبدأ بفهم الإنسان الصومالي كما هو، لا كما نريده أن يكون. فالقوانين والمؤسسات لا تنجح بالقوة المجردة، وإنما تنجح حين تعبّر عن روح المجتمع، وتنبع من واقعه، وتراعي خصائصه التاريخية والنفسية.

إن بناء دولة مستقرة في الصومال لا يتحقق باستيراد نماذج قانونية جاهزة، بل بصياغة منظومة قانونية ومؤسسية تجمع بين قيم الدولة الحديثة، وبين الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمجتمع الصومالي، بحيث يصبح القانون امتداداً لوجدان الناس، لا عبئاً مفروضاً عليهم من خارج بيئتهم.

Share

اقرأ هذا أيضًا