وليلٌ كموجِ البحرِ أرخى سُدولَه… قرنُ إفريقيا أمام خمسة سيناريوهات
كما يُرخِي البحرُ موجَه عند تغيّر الرياح، تُرخِي التحولاتُ الدولية والإقليمية سُدولَها اليوم على قرن إفريقيا، لتدخل المنطقة مرحلةً دقيقة تختلط فيها الفرص بالمخاطر، والتحالفات بالمناورات، والاستقرار بالاضطراب.
فلم يعد قرن إفريقيا هامشًا جغرافيًا، بل تحوّل إلى ساحة تنافس استراتيجي مفتوحة تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والعسكرية.
وفي قلب هذا المشهد، يبرز محوران متقابلان يعيدان تشكيل ميزان القوى في الإقليم:
تحالف سعودي–تركي–صومالي–قطري، يقوم على منطق دعم الدولة المركزية، وتأمين البحر الأحمر وباب المندب، وربط الأمن بالتنمية والسيادة.
وفي المقابل، تحالف إسرائيلي–إماراتي مع أرض الصومال، يتكئ على النفوذ البحري، والقواعد غير المباشرة، وتوظيف الكيانات الهشّة في إعادة رسم الجغرافيا السياسية.
أولًا: لماذا قرن إفريقيا الآن؟
تعود الأهمية المتصاعدة للمنطقة إلى ثلاثة عناصر رئيسية:
الموقع الجغرافي الحاكم لبوابة باب المندب وخطوط التجارة العالمية.
الهشاشة السياسية والأمنية في بعض دول الإقليم، ما يجعلها عرضة للاختراق الخارجي.
تزايد الحضور الإقليمي والدولي بحثًا عن النفوذ، والقواعد، والتحالفات البديلة.
وكما أن البحر لا يهدأ دفعةً واحدة، فإن مستقبل قرن إفريقيا لن يسلك مسارًا واحدًا، بل يتوزع على خمسة سيناريوهات محتملة.
السيناريو الأول: الاستقرار الحذر (موجٌ منخفض)
في هذا السيناريو، تنجح دول الإقليم، بدعم التحالفات المتوازنة، في:
بناء شراكات أمنية منضبطة.
احتواء النزاعات الداخلية.
تحسين التنسيق الإقليمي دون استفزاز القوى المتنافسة.
إنه استقرار هش، يسمح بالحركة، لكنه لا يضمن النجاة من العاصفة القادمة.
السيناريو الثاني: عسكرة الإقليم (موجٌ متصاعد)
تتحول المنطقة إلى:
ساحة قواعد عسكرية متنافسة.
نقاط صراع غير مباشر بين محاور إقليمية.
سباق نفوذ بحري وأمني.
وهنا يصبح البحر الأحمر ساحة أمنية قبل أن يكون ممرًا تجاريًا.
السيناريو الثالث: التفكك والصراعات بالوكالة (موجٌ متكسّر)
في حال فشل إدارة التوازنات:
تتفجر صراعات داخلية تُغذّى خارجيًا.
تُستخدم الكيانات غير المعترف بها كورقة ضغط.
تتآكل السيادة الوطنية للدول الضعيفة.
بحرٌ بلا بوصلة، وسفنٌ تائهة.
السيناريو الرابع: التكامل الإقليمي الذكي (موجٌ منسجم)
وهو السيناريو المنشود:
شراكات تحترم السيادة.
استثمار الموقع الجغرافي اقتصاديًا.
أمنٌ يخدم التنمية لا الهيمنة.
موجٌ قويّ، لكنه يعرف اتجاهه.
السيناريو الخامس: إعادة رسم النفوذ (موجٌ خادع)
الأخطر بين السيناريوهات:
تحالفات ناعمة بشروط قاسية.
نفوذ يُعاد توزيعه بلا ضجيج.
تغيير بطيء في موازين القوى.
موجٌ هادئ… لكنه يسحب السفن إلى العمق.
خاتمة: بين الموج والربّان
قرن إفريقيا اليوم ليس في مأمن، لكنه لم يُغرق بعد.
وقارب الشعوب ما زال في البحر، تتجاذبه الرياح، وتراقبه العيون من بعيد.
وكما أن البحر لا يرحم سفينة بلا ربّان، فإن المنطقة تحتاج إلى:
رؤية سياسية واعية لا تُخدع ببريق التحالفات.
إعلام وطني مسؤول يفرّق بين الشراكة والارتهان.
مشروع نهضوي يجعل السيادة بوصلة لا شعارًا.
وليلٌ كموجِ البحرِ أرخى سُدولَه…
فإما أن تُحسن شعوب قرن إفريقيا الإمساك بالدفة،
أو تترك قاربها للأمواج.
الدكتور حسن البصري
الباحث في الفلسفة والسياسة والتصوف
















