ويلٌ لأمةٍ تنسى عظماءها وهم أحياءٌ يُرزقون، ثم تبكي عليهم حين يرحلون!

المزيد للقراءة

ويلٌ لأمةٍ تنسى عظماءها وهم أحياءٌ يُرزقون، ثم تبكي عليهم حين يرحلون!

رحم الله الفيلسوف الصومالي صالح حسين جامع، ذلك الدكتور والأستاذ الجامعي المخضرم، والرجل الشريف المتخصص في الثقافة والأدب واللغة والتاريخ الصومالي. كان مكتبةً حيّةً وموسوعةً شاملة، وحكيمًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفيلسوفًا بحق. وكان من أولئك الرجال الذين لا تقتصر قيمتهم على ما كتبوه، بل تمتد إلى ما غرسوه في العقول والوجدان من حب المعرفة والاعتزاز بالهوية.

لقد عُرف بسعة علمه، وغزارة إنتاجه، وعمق فكره، وبساطة شرحه، وكرمه في نشر المعرفة. ولم يكن من أولئك الذين يحتكرون العلم أو يتعالون به على الناس، بل كان يراه رسالةً وواجبًا وأمانةً ينبغي أن تصل إلى الجميع. وكان صوماليًّا خالصًا؛ صوماليًّا بلسانه ووجدانه، فرغم إتقانه اللغات الأجنبية وكونه أكاديميًّا لامعًا، ظل يتحدث بلغة صومالية صافية، بليغ اللسان، عظيم التأملات، مخلصًا للعلم، وفيًّا للتاريخ والأدب الصومالي، ومثقفًا بحق، ومتحدثًا يعرف تمامًا ما يقول، وقارئًا ومفكرًا من الطراز الرفيع.

وكان أخًا لجبلين عظيمين من أهل القلم والثقافة والصحافة؛ فمن ذلك البيت الذي أنجب للأمة الصومالية ثلاثةً من كبار أعلامها: الصحفي الكبير حامد حسين جامع الذي عُرف في الوطن العربي، والأديب الصومالي المشهور سعيد حسين جامع، والفيلسوف والمفكر صالح حسين جامع. بيتٌ اجتمع فيه الفكر والأدب والصحافة، فكان أثره حاضرًا في الوعي الصومالي لعقود طويلة.

رحل من الصومال عام 1977 بعد أن قضى سنواتٍ في السجن ظلمًا، ثم درس الفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية. وعمل قبل هجرته من الصومال في وزارة الخارجية، وكتب في جريدة «أكتوبر» الشهيرة، وعمل في التأليف والترجمة والبحث العلمي. وكان بارعًا ومتذوقًا للعربية والصومالية، وقرأ الفلسفة الغربية وعلوم الشعوب في الشرق، وكان يتمثل بالشعر، وبارعًا في القصص، وصاحب ذاكرةٍ فولاذيةٍ نادرة.

وكان عارفًا بالقرآن الكريم، متأملًا في حقيقة الفلسفة، يرى أن الخوف من الله أسمى معاني الحكمة وأرفعها. وقد صقلت الأيام تجاربه، وزادته المحن نضجًا واتزانًا. فلم يكن يهاجم أولئك الذين سجَنوه، ولم يكن يلوم الشعب الذي نسيه، ولم يعرف عنه المنّ أو الأذى، ولم يكن يتباهى بماضيه الزاخر بالإنجازات، رغم أن سيرته كانت حافلةً بما يدعو إلى الفخر.

وكان بإمكانه أن يعيش حياة الرفاهية، وأن يتولى أرفع المناصب وينعم بالمكاسب، لكنه كان وطنيًّا غيورًا، وإنسانًا يحمل في صدره قلبًا حيًّا. كان حكيمًا وأكاديميًّا ومؤرخًا ولغويًّا وأديبًا وقاصًّا وناقدًا وفيلسوفًا عبقريًّا وكاتبًا ومفكرًا، لكنه ـ للأسف ـ كان صوماليًّا ينتمي إلى قومٍ لم يقدّروا أمثاله حق قدرهم، ولم يبلغ اهتمامهم بالفكر والثقافة ما يجعلهم يدركون قيمة عبقريةٍ كهذه، وموهبةٍ نادرةٍ كهذه.

كان مؤسسةً علميةً قائمةً بذاتها، ومكتبةً تمشي على قدمين، وقد ظلمناه مرتين: ظلمناه حين لم نكرمه كما ينبغي وتركناه يواجه ظروفًا قاسيةً صابرًا كريمًا، وظلمناه مرةً أخرى حين لم نستفد من علمه ومعرفته، ولم نسعَ إلى تدوين ما كان يحمله من علومٍ وذكرياتٍ وتاريخٍ ورواياتٍ ضاعت برحيله.

كان من ألمع عقول الصومال وإفريقيا والعالم الثالث. عاش شبابه في السجون، وقضى شيخوخته في الغربة والبرد والمعاناة، ومع ذلك بقي صامتًا صامدًا، محتفظًا بكرامته وكبريائه.

وكان صاحب قيمةٍ علميةٍ استثنائية. ينتمي إلى أرض الصومال، لكنه كان قوميَّ الهوى والهوية، يفكر في الصوماليين جميعًا أينما كانوا في الوطن والشتات. كان ينظر إلى الصورة الكبرى لأمته، ويهتم بمصير العرق الصومالي ونهضته ومستقبله.

ولم يكن منشغلًا بالأحداث العابرة، بل كان بعيد النظر، يستشرف المستقبل، ويستخلص الدروس من الماضي. درس أمته وأرضه دراسةً عميقة، وكان عالمًا اجتماعيًّا ومفكرًا بحق.

لقد كان يدرس صورة الإنسان الصومالي وأسلوب تفكيره وهمومه وآلامه وآماله من خلال الشعر الصومالي، ويكتشف الشخصية الصومالية عبر الأدب والتاريخ والتراث والسير والتراجم. وكان مهتمًّا بتراجم الأعلام، ومن أهم المراجع في تراجم الشعراء والأدباء. كما كان واحدًا من أعظم الصوماليين الذين درسوا الفلسفة بمختلف مدارسها ومشاربها، ومع ذلك بقي صوماليًّا خالصًا رغم تعمقه في بحارها ومحيطاتها.

وعلى الرغم من إقامته في الغرب عقودًا طويلة، ظل يتحدث بلسانٍ صوماليٍّ قلَّ أن يوجد من يتحدث بمثل فصاحته وتمكنه. وكان أكاديميًّا كبيرًا، لكنه يخاطب الناس بلغة الحكيم التي يفهمها العامة والبسطاء.

لقد كان يتحدث بلغةٍ يفهمها الجميع، لكنها تحمل ألفاظًا عريقةً تعود إلى قرونٍ مضت. وفي كل مرة كان يتحدث فيها، يأتي بعلمٍ جديد، أو يطرح فكرةً مبتكرة، أو يشرح ظاهرةً بأسلوبٍ يعجز عنه كثيرون. وكان آيةً في انتقاء الكلمات وصياغة المعاني.

امتلك ثروةً لغويةً هائلة، تتدفق الألفاظ على لسانه تدفقًا عجيبًا، ويضع كل كلمةٍ في موضعها المناسب، بكل ما تحمله من معنى وإحساس. ولم يكن يعتمد على الكلمات وحدها، بل كان يستخدم الإشارات وتعابير الوجه أيضًا، حتى ليبدو أن كل عضوٍ في جسده يشارك في شرح المعنى وإيصال الرسالة.

وكان يقبل بجديةٍ على من يحدثه، صادقًا في تعابير وجهه، وكانت كلماته الحكيمة المرتبة تنبع من أعماقه. وفي كل مرة كان يقول كلامًا يستحق أن يُكتب بماء الذهب. ولم يكن يستخدم المصطلحات المعقدة، ولم يكن يستعرض عضلاته الفكرية أو الأدبية، بل كان يوصل المعنى بوضوح، ويجعل الأفكار العميقة في متناول الجميع.

ومن النادر أن تشاهد له مقطعًا إلا وتسمعه خلال دقائق يتمثل ببيت شعر، أو يورد معلومةً لغويةً أو فلسفيةً أو تاريخيةً لم تسمع بها من قبل. وكان ديوانًا حيًّا للشعر، وخزانةً للتاريخ، وذاكرةً تحفظ تراث الأدب، وراويةً تجمع بين الشعر والقصة، يحمل في صدره تراث أمةٍ كاملة وهمومها.

ورغم ثقافته الواسعة، لم يكن يكثر من الاستشهاد بفلاسفة الغرب عند حديثه إلى الصوماليين، ولعله كان يعمل بمقتضى الحكمة المنسوبة إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم». فكان يأخذ من الفلسفات ما يراه نافعًا، ثم يقدمه للناس من خلال الشعر الصومالي والحكم والأمثال والقصص التي يعرفونها ويطربون لها.

وكان يعمل بمبدأ: «الحكمة ضالة المؤمن، أينما وجدها فهو أحق الناس بها». ولذلك ظل حريصًا على طلب العلم حتى في كبر سنه. درس في الصومال على أيدي معلمين روس، ودرس في جامعة أمريكية، وتعمق في اللغة العربية، واستفاد من تجارب الأمم المختلفة وأفكارها.

وكان منصفًا في أحكامه؛ فعلى الرغم من السنوات التي قضاها في سجون الحكومة العسكرية، كان يتحدث أيضًا عن محاسن تلك الحقبة، ويزن الأمور بميزان العدل لا بميزان الأهواء.

وكان الأديب سعيد حسين جامع يدرك مكانة أخيه منذ أيام شبابه الأولى. وحين وضعه الديكتاتور محمد سياد بري في السجن ظلمًا وعدوانًا، بعث إليه بقصيدته المؤثرة «إلى أخي في زنزانته»، يقول فيها:

كنت فينا أخًا وأهلًا
كنت نجمًا يصعد ويتلألأ
فخر قومٍ كنت وما زلت
صرخوا ملء أفواههم: كلا

وكان رقيق القلب، عفيف اللسان، طيب المعشر، يخاطب من يتحدث إليه بعفويةٍ صادقة، وبأسلوبٍ لا تكلف فيه، مملوءٍ بالاحترام والمحبة وروح الأخوة. كان يرى الناس جميعًا إخوةً له، ويعاملهم بهذا الشعور. وفي كل المقاطع التي شاهدتها له، كنت أراه مستمعًا بكل اهتمامٍ وتقدير، لا يقاطع متحدثًا، ولا يستعجل الرد، بل يمنح من أمامه حقه من الإصغاء والاحترام. وكان من شدة تواضعه وكرمه العلمي يستحي أن يرد سائلًا جاء يطلب معرفةً أو يستفسر عن أمر، فكان يفتح قلبه قبل أن يفتح حديثه.

ومن الأمور التي لفتت انتباهي أنه كان شديد العناية بأناقته، حريصًا على ارتداء البذلات الأنيقة، رغم الظروف الصعبة التي عاشها. لم يستسلم للواقع، ولم يسمح للمعاناة أن تنتزع منه كرامته أو ذوقه الرفيع. وكان ذلك دليلًا على روحٍ نبيلةٍ وأصيلة.

ويؤسفني أن هذا الفيلسوف عاش سنواته الأخيرة دون أن ينال من التقدير والتكريم ما يليق بعلمه ومكانته، بل لم يجد الحد الأدنى مما يستحقه رجلٌ أفنى عمره في خدمة المعرفة، ودراسة تاريخ شعبه وثقافته، والدفاع عنهما بإخلاصٍ لا تشوبه مصلحةٌ ولا مطمع.

وهي مفارقةٌ مؤلمة تتكرر كثيرًا في أوطاننا؛ إذ نحسن رثاء العظماء بعد رحيلهم أكثر مما نحسن تكريمهم وهم بيننا.

ويؤسفني أننا خذلناه في حياته، ولم نعرف حقًّا قيمته، ولم نهتم بعلمه وثقافته كما ينبغي. مات وماتت معه مكتبةٌ كاملة لم نستفد منها كما يجب، وأسأل الله أن يعوضه بالجنة ويبدله دارًا خيرًا من داره.

فوالله لقد خذلنا الرجل، وخذلنا أجيالًا سوف تأتي بعدنا. فقد كان حقًّا علينا أن ننقل علمه ومعرفته وفكره إلى تلك الأجيال، وكان لزامًا علينا أن نسعى لإكرام عظيمٍ مثله، ولكننا قصرنا في حقه، وأيما تقصير.

وبرحيله رحلت كتبٌ وذكرياتٌ وأبياتٌ لم توثق. لم يمت رجلٌ فحسب، بل مات معه جزءٌ من تاريخنا ولغتنا وفلسفتنا. وهذه خسارةٌ كبيرة للمعرفة والتراث الصومالي. وسوف يُدفن معه جزءٌ من اللغة والتاريخ وقضايا الهوية والحكم والتأملات، وقصصٌ عن أمتنا وأدبائنا لم تُروَ بعد، وعلومٌ كرس عمره كله لجمعها وفهمها، لكننا لم نهتم بالاستفادة منها.

ولعل لسان حاله يقول:

أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا
ليومِ كريهةٍ وسدادِ ثغرِ
وخلَّوني لمعتَرَكِ المنايا
وقد شرعت أسنتها لنحري

سامحنا يا دكتور، فنحن قومٌ لا يعرفون قدر العظماء، ولا يدركون النبلاء الأوفياء. نحن قومٌ لا يتذكرون الرجل إلا بعد موته، وما نفع البكاء وقد عاش حكيمنا وفيلسوفنا معاناة الغربة والبرد القارس والليالي الصعبة، وعاش حياةً غير التي كان يستحقها منا؟

لقد كان وقع ما حدث في الصومال ثقيلًا عليه. كان صاحب ضميرٍ حي وذكاءٍ متوقد، يؤلمه ما يراه، ويحزنه ما أصاب وطنه وشعبه. كان عقلًا يسبق زمانه، وصوتًا يحمل هم أمته.

سوف يعزونك اليوم وأنت أحد أعظم العباقرة في الصومال، ولكن كلماتهم عابرة. لقد كانوا يتغنون بألفاظك وأفكارك وأنت حي تعيش أيامًا صعبة. كانوا يحبون كلماتك، ولكنهم لم يهتموا بصاحبها. كانوا يجدون سلواهم في حديثك عن الوطن والحياة والإنسان، ولكنهم لم يواسوك يومًا في محنتك.

ومع ذلك فإن التاريخ لا ينسى أمثال هؤلاء الرجال، وكما قال الأمير الفارس أبو فراس الحمداني:

سيذكرني قومي إذا جدَّ جدُّهمُ
وفي الليلة الظلماءِ يُفتقد البدرُ

وإني لأحزن على فراقه كثيرًا، ولسوف يذكر التاريخ أنه كان من طينةٍ خاصة. لم يكن مجرد أستاذٍ جامعي، أو كاتب، أو مؤرخ، بل كان عقلًا نادرًا، وضميرًا حيًّا، وصوتًا صادقًا من أصوات الصومال التي يصعب أن تتكرر.

رحم الله صالح حسين جامع رحمةً واسعة، وجزاه عن الصومال وأهلها خير الجزاء، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه من علمٍ وفكرٍ وثقافةٍ في ميزان حسناته. لقد رحل الرجل، ولكنه باقٍ في آثاره وكلماته وأفكاره، وستظل شاهدةً على أن الصومال أنجبت يومًا رجلًا من طرازٍ نادر؛ فيلسوفًا ومفكرًا وأديبًا ومؤرخًا، عاش لوطنه، وتألم لوطنه، وظل وفيًّا له حتى آخر أيامه.

الأستاذ/ عبدالرحمن راغي علي

Share

اقرأ هذا أيضًا