من مدرجات الجامعة إلى المنصات الدولية
مسيرة إعلامي صومالي صنع اسمه في الصحافة العربية.
============
البدايات: شغف مبكر بالكلمة
في العام 1997م، وبين جدران الجامعة، بدأت أولى خطوات الرحلة مع الكتابة باللغة العربية. لم تكن التجربة آنذاك مجرد نشاط طلابي عابر، بل كانت تأسيساً لمسار مهني طويل. ظهرت أولى المقالات التحليلية في الصحافة السودانية، وعلى رأسها صحيفة الرأي العام، حيث تناولت تلك المقالات قضايا فكرية وسياسية بروح نقدية مبكرة كشفت عن ميل واضح إلى التحليل العميق وربط الأحداث بسياقاتها التاريخية.
منذ تلك اللحظة، لم تعد الكتابة خياراً، بل أصبحت هوية.
*التوسع نحو المنابر العربية*
مع مطلع الألفية الجديدة، بدأت التجربة تتسع خارج الإطار المحلي. ففي عام 2003م، نُشرت كتابات في مجلة البيان اللندنية، وهي محطة مهمة فتحت نافذة على جمهور عربي أوسع. ثم جاءت المشاركة في مجلة قراءات إفريقية عام 2004م، حيث برز الاهتمام بالشأن الإفريقي عموماً والصومالي خصوصاً.
وفي العام نفسه، انطلقت مساهمات في موقع العربية.نت، في مرحلة كانت فيها الصحافة الرقمية العربية تشهد تحولات متسارعة. هذا الانخراط المبكر في الإعلام الإلكتروني منح التجربة بعداً مهنياً مختلفاً، وواكب التحول من الصحافة الورقية التقليدية إلى الإعلام الرقمي العابر للحدود.
*مراسلاً في قلب الحدث الصومالي*
بين عامي 2006 و2008م، جاءت محطة نوعية بالعمل مراسلاً وكاتب تقارير وتحليلات معمقة عن الشأن الصومالي في موقع الإسلام اليوم. في تلك الفترة، كانت الصومال تمر بتحولات سياسية وأمنية معقدة، الأمر الذي فرض على العمل الصحفي قدراً عالياً من الدقة، والقدرة على قراءة المشهد من الداخل، وربط التطورات المحلية بالتفاعلات الإقليمية والدولية.
كما شهدت تلك المرحلة مساهمات في مواقع أخرى، من بينها الصومال اليوم، وعدد من المنصات العربية، ما رسّخ الحضور الإعلامي بوصفه صوتاً متابعاً للشأن الصومالي بزاوية تحليلية متخصصة.
*تجربة الجزيرة نت: محطة الاحتراف الأوسع*
وفي نوفمبر 2008م، بدأت مرحلة جديدة بالانتقال إلى موقع الجزيرة.نت مراسلاً عن الصومال، واستمرت هذه التجربة حتى عام 2015م. مثّلت هذه المحطة نقلة نوعية في المسار المهني، نظراً إلى المكانة الدولية للمنصة واتساع جمهورها.
وخلال تلك السنوات، تمّت تغطية أحداث مفصلية في تاريخ الصومال الحديث، وكتابة تقارير وتحليلات تناولت التحولات السياسية، وصعود الفاعلين الجدد، والتحديات الأمنية، ومسارات الدولة الفيدرالية الناشئة. وقد أتاحت هذه التجربة فرصة للاحتكاك بمدرسة صحفية احترافية عالية المعايير، وأسهمت في صقل أدوات التحرير والتحقيق وصناعة الخبر.
*بين الإعلام والأكاديميا*
لم تقتصر المسيرة على العمل الصحفي، بل توازت معها تجربة أكاديمية مهمة. فقد تم العمل في جامعة شرق إفريقيا بين عامي 2003 و2005م، ثم في جامعة كسمايو من 2006 إلى 2014م. هذه السنوات في الحقل الأكاديمي لم تكن مجرد وظيفة موازية، بل كانت امتداداً طبيعياً للاهتمام بالفكر والتحليل وبناء الأجيال.
العمل الجامعي أتاح فرصة لدمج الخبرة الميدانية الصحفية بالمعرفة النظرية، وأسهم في تكوين رؤية أكثر عمقاً تجاه قضايا الإعلام والسياسة والمجتمع.
*إدارة المنصات،وتأسيس مشروع فكري*
وفي الفترة ما بين 2015 و2017م، تم تولي إدارة مركز الإرشاد للحوار الفكري، إلى جانب الإشراف العام على موقع صومالي تايمز. شكلت هذه المرحلة انتقالاً من دور الكاتب والمراسل إلى موقع الإدارة والتوجيه وصناعة المحتوى المؤسسي.
وفي نوفمبر 2017م، تم تأسيس موقع قراءات صومالية، بوصفه منصة تعنى بالتحليل والرأي وتسليط الضوء على القضايا الصومالية من منظور فكري وإعلامي مستقل. هذا المشروع مثّل تتويجاً لسنوات من الخبرة، وتحولاً نحو بناء منبر يعكس رؤية خاصة في تناول الشأن العام.
شغف لا يخفت
وعلى الرغم من امتداد التجربة لأكثر من عقدين، لا تزال الكتابة تُنظر إليها باعتبارها رحلة مستمرة في التعلم والاكتشاف. فالمهنة التي بدأت بشغف جامعي تطورت إلى مسار احترافي وأكاديمي وإداري، لكنها لم تفقد روحها الأولى: عشق الكلمة، والإيمان بدورها في صناعة الوعي،وتوثيق التحولات.
وهكذا تتشكل سيرة إعلامي جمع بين الميدان والتحليل، وبين الصحافة والأكاديميا، وبين العمل المؤسسي والمبادرة المستقلة؛ مسيرة تؤكد على أن الكلمة حين تُصاغ بوعي تصبح جزءاً من تاريخ وطن، لا مجرد خبر عابر في أرشيف الأيام.
















