والله يعلم المفسد من المصلح

المزيد للقراءة

والله يعلم المفسد من المصلح

جاء قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ في سياق الحديث عن الأيتام وأموالهم، ضمن منهجٍ قرآنيٍّ دقيق يجمع بين حماية الحقوق، وتربية الضمير، وربط السلوك البشري برقابة الله سبحانه وتعالى. فالآية لا تكتفي بوضع الأحكام الظاهرة، بل تنفذ إلى أعماق النفوس؛ لتقرر أن الله عز وجل يعلم حقيقة المقاصد وخفايا النيات، ويميّز بين من يخالط اليتيم ابتغاء الرعاية والإصلاح، ومن يتخذ تلك المخالطة ذريعة للإفساد وأكل المال بالباطل.

فالقرآن هنا يربط بين العمل الظاهر والقصد الباطن؛ إذ قد يتشابه الفعلان في الصورة، بينما تختلف حقيقتهما عند الله اختلافًا عظيمًا. فقد يخالط رجلٌ اليتيمَ ليحفظ ماله وينمّيه ويقوم على شؤونه برحمةٍ وإشفاق، وقد يخالطه آخرُ وهو يضمر الطمع والاستغلال، والله سبحانه يعلم هذا من ذاك، وسيجازي كلَّ امرئٍ بحسب نيته وعمله.

وهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ليس خاصًّا بأموال الأيتام وحدها، بل هو أصل عام يشمل كل صور الإصلاح والإفساد، الديني منها والدنيوي. فلفظ المصلح والمفسد يشملان الأعمال والنيات جميعًا؛ لأن الإنسان قد يعجز عن تنفيذ ما أراد، لكن الله لا يخفى عليه ما انعقد عليه القلب. فقد يكون المرء مفسدًا في نيته، يحب الفساد ويسعى إليه، ثم لا يتمكن منه، وقد يكون آخر مصلحًا صادق الإرادة، ثم تحول الظروف بينه وبين تحقيق ما قصد، غير أن الله سبحانه يعلم ما استقر في النفوس، ويحاسب العباد على مقاصدهم كما يحاسبهم على أعمالهم.

ومن هنا كان دخول شأن الأيتام في هذه الآية دخولًا أوليًّا مؤكدًا؛ لأن الآية وردت بسببهم، والأصوليون يقررون أن: سبب النزول قطعيُّ الدخول في العموم. فإذا حملنا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ على عموم الإصلاح والإفساد في شؤون الحياة كلها، فإن أول ما يدخل فيه: الإصلاح والإفساد في حقوق الأيتام وأموالهم؛ لأنهم السبب المباشر لنزول الآية، ولأن الشريعة أولت عناية عظيمة بحماية الضعفاء وصيانة حقوقهم.

وقد ذكر الإمام الطبري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المسلمين لما نزلت الآيات الشديدة في شأن أموال اليتامى، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، اشتدّ خوفهم حتى صار من عنده يتيم يفصل طعامه وشرابه عن طعام اليتيم وشرابه، فيبقى الطعام أحيانًا حتى يفسد، تحرّجًا من الوقوع في المحظور.
فلما شقّ ذلك عليهم، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾، فخفف الله عنهم، وأباح المخالطة القائمة على الإصلاح والإحسان.

ثم بيّن الإمام الطبري المعنى الدقيق لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾، فقال إن الله أذن بمخالطة الأيتام، لكنه حذّر من اتخاذ هذه المخالطة وسيلةً لأكل أموالهم أو الاعتداء على حقوقهم، لأن الله يعلم حقيقة المقصود من هذه المعاملة: أ意ُراد بها الإصلاح والرعاية؟ أم يُراد بها الاستغلال والإفساد؟ فلا تخفى عليه خافية، ولا تنفع عنده الحيل القانونية ولا المظاهر الخادعة.

وهذه الكلمة تختصر ميزان الشريعة في التعامل مع الضعفاء: أن تكون الولاية رحمةً لا مطمعًا، وخدمةً لا استغلالًا.

وإذا تجاوزنا سبب النزول إلى واقع الناس اليوم، وجدنا أن الآية تمسّ كثيرًا من صور الحياة المعاصرة؛ إذ قد يظهر بعض الناس بمظهر الالتزام بالنظام والقانون، بينما يخونون روح القانون ومقصده، ويتخذون النصوص أدواتٍ للتلاعب بالمصالح والحقوق، فتتحول القوانين ـ بسبب فساد النفوس ـ من وسائل لتحقيق العدالة إلى وسائل لتبرير الظلم وإضفاء الشرعية على الفساد. وهنا تتجلى عظمة هذا التوجيه القرآني؛ لأن الله لا ينظر إلى ظاهر الإجراءات وحدها، بل إلى حقيقة المقاصد والنيات.

خاتمة

إن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ ليس مجرد تحذيرٍ في شأن الأيتام، بل هو قاعدة أخلاقية كبرى تبني الضمير الإنساني، وتربط السلوك برقابة الله قبل رقابة الناس. فكم من إنسانٍ أفسد تحت ستار الإصلاح، وكم من آخر صدق في إرادة الخير وإن قصرت يده عن تحقيقه. وإن المجتمعات لا تستقيم بالقوانين المجردة وحدها، وإنما تستقيم حين تُبنى النفوس على الصدق والأمانة واستحضار مراقبة الله؛ لأن الله يعلم خفايا القلوب، ويميّز بين من يريد الإصلاح حقًّا، ومن يتخذ شعارات الإصلاح طريقًا إلى الفساد.

Share

اقرأ هذا أيضًا