إلهام عمر ..، شجاعة نادرة. 

المزيد للقراءة

إلهام عمر ..، شجاعة نادرة.

في رحلة عودته من زيارته للمملكة المتحدة، عادت حليمة إلى عادتها القديمة، وعاد ترامب في مواصلة هجومه العنيف على النائبة الأمريكية صومالية الأصل إلهام عبدالله عمر، أطال الله عمرها، وجعلها شوكة في حلق كل متعجرف عنصري ختّال. لم يكتف ترامب بالإساءة إلى النائبة الديمقراطية ،ولكنه تجاوزها إلى بلدها وشعبها، فكال لهم الشتائم. عودة ترامب بين الفينة والفينة على الحديث عن إلهام يدلّ على ما تمثله هذه السيدة من صوت قوي يفضح السياسات العنصرية لترامب وفريقه، فقد اجتمع فيها كل ما يكرهه ترامب؛ فهي امرأة مهاجرة سوداء مسلمة، وإنّ واحدة من هذه الصفات لكافية في إثارة ضغنه، فكيف إذا اجتمعن كلها في سيدة واحدة، ولكنّ إلهام نجحت في تجاوز ذلك كله، فدخلت الكونغرس، وأصبحت لسان كل مقهور، فهي تعارض بشدة سياسات ترامب العنصرية ضدّ المهاجرين والمسلمين، وتنتقد كذلك موقف الإدارة الأمريكية الداعم لسياسات الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل في حق الفلسطينيين، وموقفها هذا كان سببا لتعرضها حملة صهيونية شرسة تتهمها بمعاداة السامية، فهي صوت لمن لا صوت له، ولسان لمن لا يقدر على قول الحق، وقد حققت بذلك الرتبة الثانية في سلّم دفع المنكر، وهي درجة عالية في عالم يرتجف فيه الرجال رعبا من قول الحق.

وعلى العموم، صارت إلهام الصوت الأبرز الذي يدافع عن حقوق الأقليات ضد السياسات الشعبوية اليمينية المتطرفة العنصرية التي تتبناها الإدارة الأمريكية الحالية، وهذا ما يثور ثائرة ترامب، ويجعله يفقد عقله، ويطلق الإساءة تلو الإساءة على إلهام وعلى بلدها الصومال، وكل ما يرتبط بها أرضا ودينا ولونا وثقافة. ومن منّا لا يتذكر كيف ردّد مؤيدو ترامب في تجمع انتخابي له في عام ٢٠١٩ بهتاف (أعيدوها إلى بلدها) وليست إلهام من تستفزه هذه الحملات التحريضية ضدّها، فهي لم تعد ولن تعود، بل اختارت أن تعيد المجانين إلى رشدهم، وأن تكون صوتا حرّا للملايين في بلدها وحول العالم الذين يعانون من سياسات الكراهية والعنصرية.

قالت إلهام مرة، وهي تردّ على إساءات ترامب المتكررة لها، وتلويحه الدائم إلى هجرتها وظروف بلدها: “صحيح، إنني هاجرت بلدي وعمري ثمانية، ولكنك تدير البلاد بعقلية طفل مثل عمري في ذلك الوقت” صفعة قوية تجعلنا نفهم لماذا يهتاج الثور هذا الهيجان كله، كلّما رأى شبح إلهام أو سمع صوتها، حتى صارت له كابوسا يؤرق مضجعه، فهي تعرف كيف تهيج الثور، تلوح له بالراية الحمراء، حتى إذا تجمّع واندفع للنطح، سحبت منه الراية بلطف، فينطح الهواء أو الحائط، فلا أبقى قرنا ولا أصاب هدفا. أبدت إلهام شجاعة نادرة في مواجهة التطرّف والعنصرية والكراهية، ورفعت صوت العدل والحرية والمساواة والكرامة الإنسانية.

وقد كتب الصحفي الفلسطيني الكبير عبدالباري عطوان مرة في سياق دفاعها عن حقوق الشعب الفلسطيني، وانتقادها اللاذع لإبادة أهلنا في غزة كتب: “شكرًا من القلب للسيّدة إلهان عمر التي كانت أشجع وأكثر إنسانيّة ووطنيّة مِن جميع المُطبّعين العَرب” ونحن كذلك نشكر إلهام على تبنيها ودفاعها القضايا العادلة، وأولها القضية الفلسطينية، وما يتعرض له هذا الشعب من إبادة وقتل وتشريد وتهجير، ووقوفها الشجاع أمام حملة الكراهية ضد المستضعفين في بلدها وفي العالم كله.
وهمّها في العلى والمجد ناشئة … وهمّ أترابها في اللهو واللعب.
كان يمكن لإلهام أن تجلس في الكونغرس بهدوء، وتحضر مجالسه بشرود ذهن، وتصفق لكلّ ما يقال، وتفتخر بما حققته من إنجازات هائلة في طموحاتها السياسية، ولكنها كانت تدرك أنها لم تخلق لهذا، وأن الأقدار قد رشحت لها لاختبار صعب، فلم ترض لنفسها أن ترعى مع الهمل، بل كانت استجابتها على قدر التحدي، وجعلت صوتها عونا للمظلومين والمضطهدين في كل مكان.
وما كلّ من قال قولا وفى … ولا كلّ من سيم خسفا أبى.

Share

اقرأ هذا أيضًا