:
الانكفاء الاستراتيجي
حين تُدار الدولة من الداخل وتُستباح من الخارج
(Strategic Inwardness / Strategic Retrenchment)
بقلم المؤلف
في مسار الدول، لا يكون الخطر دائمًا في الفوضى، ولا في غياب الإدارة، بل أحيانًا في الإدارة المنكفئة؛ تلك التي تُحسن ترتيب الداخل، لكنها تُهمل مراقبة الأفق. عند هذه النقطة تحديدًا، يظهر في علم السياسة ما يُعرف بـ الانكفاء الاستراتيجي.
ما هو الانكفاء الاستراتيجي؟
الانكفاء الاستراتيجي هو حالة سياسية تُوجّه فيها الدولة معظم طاقتها ومواردها وقرارها نحو الملفات الداخلية، مثل:
الأمن الداخلي
الصراعات السياسية
الانتخابات
إدارة الخصومات المحلية
ويقابل ذلك تراجع أو إهمال دورها الخارجي في:
حماية السيادة
بناء الردع
إدارة العلاقات الإقليمية
ممارسة الدبلوماسية الفاعلة
الخطر في هذا المسار لا يكمن في الاهتمام بالداخل، فالداخل هو أساس الدولة، بل في غياب التوازن. فالدولة التي تنظر إلى قدميها طويلًا، تفقد القدرة على رؤية من يقترب من حدودها.
في علم السياسة:
الدولة التي تنكفئ إلى داخلها دون مظلة خارجية، تتحول من فاعل إلى ساحة.
الانكفاء الاستراتيجي في ميزان الدولة
يمكن تشبيه هذه الحالة بثلاث صور بسيطة، لكنها عميقة الدلالة:
كمن يرتّب البيت ويترك الأبواب مفتوحة
أو كمن يطفئ حريقًا في المطبخ ويترك اللصوص يعيثون في الدار
أو كربّان يدير السفينة من الداخل، ويتجاهل اتجاه الرياح والتيارات
في كل هذه الصور، الجهد حاضر، لكن الاتجاه مفقود.
أمثلة من الواقع: حين يُنقَذ الداخل ويُفقد الخارج
في حياة الأفراد، نرى رجلًا ينشغل بخلافات أسرية داخل بيته، فيهمل عمله وشراكاته، فيفاجأ بـ:
خسارة السوق
استحواذ الشركاء على حصته
تآكل سمعته خارج محيطه
النتيجة واحدة: الداخل لم يُنقَذ، والخارج ضاع.
وفي عالم التجارة، يركّز تاجر على ضبط العمال ومحاسبتهم يوميًا، لكنه يُهمل:
متابعة المنافسين
تغيّر السوق
حركة الاستيراد
فيدخل لاعبون جدد ويُخرجونه من السوق.
وهذا نموذج واضح لـ الانكفاء الإداري الاستراتيجي.
الانكفاء الاستراتيجي في السياسة الدولية
تاريخ الدول مليء بالأمثلة:
دول انشغلت بثوراتها أو صراعاتها الداخلية، فوجدت القوى الإقليمية والدولية الفرصة سانحة للتدخل وملء الفراغ.
القاعدة الثابتة:
عندما تصمت الدولة، تتكلم القوى الأخرى بالنيابة عنها.
الصومال: حالة تطبيقية للانكفاء الاستراتيجي
منذ عام 2023، انصبّ تركيز الحكومة الصومالية على ملفات داخلية بالغة الأهمية، من أبرزها:
الحرب ضد حركة الشباب
الخلافات السياسية والاستحقاقات الانتخابية
تأمين العاصمة مقديشو
إدارة المعارضة
ملف الأراضي
وهي ملفات استنزفت:
القرار السياسي
الجهد الاستخباراتي
التركيز الاستراتيجي العام
وأثناء هذا الانشغال، لم يكن الخارج ساكنًا:
تعاظم نفوذ سلطات أرض الصومال
تنامت تحالفات إقليمية خارج علم مقديشو
استُخدمت الأجواء والموانئ الصومالية دون إذن
زار وزير خارجية إسرائيل هرجيسا علنًا
مرّت شخصيات إقليمية عبر مطارات الصومال دون سيطرة سيادية فعلية
هذه الوقائع ليست أحداثًا معزولة، بل نتائج مباشرة للانكفاء الاستراتيجي.
من السبب إلى النتيجة
في السياق الصومالي، تتسلسل المفاهيم بوضوح:
الانكفاء الاستراتيجي → السبب
فراغ السيادة → النتيجة
انهيار الردع السيادي → المظهر
شلل السياسة الخارجية → الأداة المعطّلة
اختلال معادلة الأمن القومي → التوصيف الشامل
والأخطر من ذلك كله هو الاكتفاء ببيانات التنديد، أي سياسة ردّ الفعل لا الفعل.
مقولة المؤلف
«الدولة التي تُفرط في إدارة الداخل وتُهمل حماية الخارج، لا تخسر حدودها فقط، بل تخسر حقها في الاعتراض.»
قارب الشعب: استعارة النهضة
في كتاب «قارب الشعب: رحلة السياسة والنهضة»، تبدو الصورة جلية:
عندما انشغل رُبّان القارب بترتيب المقاعد، تسللت الأمواج إلى الهيكل، وحين رفع رأسه نحو الأفق، كان الآخرون قد رسموا له الطريق.
ذلك هو الانكفاء الاستراتيجي: إدارة الداخل… وخسارة الاتجاه.
خلاصة
الانكفاء الاستراتيجي ليس سياسة، بل حالة ضعف مقنّعة بالإدارة.
والدولة التي لا تحمي سيادتها خارجيًا، ستفاجأ بأن مشكلاتها الداخلية لا تُحل، بل تتضاعف.
فراغ السيادة (Sovereignty Vacuum):
هو استباحة الأجواء والموانئ والحدود نتيجة ضعف القرار السيادي.
كتاب قارب الشعب ،رحلة السياسة والنهضة.

















