:
استراتيجية الحب في الله والبغض في الله: أداة مقاومة ثقافية وعقدية طبقتها الطرق الصوفية في الصومال.
مفهوم الاستراتيجية
تعتمد هذه الاستراتيجية على توجيه المشاعر الإنسانية الكبرى – الحب والبغض – وفق المبادئ الدينية. فالحب يكون مرتبطًا بمن يحب الله ورسوله ويحافظ على القيم الإسلامية، بينما يكون البغض مرتبطًا بمن يهدد الدين أو يعتدي على المجتمع الإسلامي.
الحب في الله
يعني تعزيز الروابط بين أفراد المجتمع الصومالي الصالحين، وحماية بعضهم البعض، وتوطيد الانتماء الديني والثقافي. ويتجلى هذا الحب بشكل خاص بين طلاب العلم في حلقات المساجد، وبين التلاميذ ومشائخهم، وبين العلماء والمجتمع عامة، حيث يسود الاحترام المتبادل، ولا يكره أحد الآخر، ولا يُكفّر، ولا يُفجر، بل يُعزّز التعاون والتفاهم والحفاظ على وحدة المجتمع.
ويبرز هذا المبدأ أيضًا في المساواة بين القبائل؛ فحتى لو كان أحد الطلاب أو العلماء من قبيلة الفلانية، فإن الجميع أمام شيخهم سواء، وربما يكون شيخهم ليس من قبيلتهم، ما يعكس التفوق العقدي والأخلاقي على الانتماءات القبلية، ويؤكد أن الحب في الله يتجاوز الانتماء العشائري لصالح وحدة المجتمع الديني والثقافي.
البغض في الله
يعني رفض الهيمنة الاستعمارية وكراهية التدخلات الأجنبية التي تهدد الهوية الدينية والثقافية، دون توجيه البغض إلى أي فرد بسبب عرقه أو أصله، مع الحفاظ على القيم العقدية والثقافية للمجتمع الصومالي.
ويتجلى هذا البغض في رفض كل ما يهدد الدين أو الهوية، وليس الأشخاص؛ فمثلاً، قد يستخدم الصومالي في الثقافة الشعبية تعبيرات مثل “هل أنت إمحاري؟ نسبة للحبشة او ايثوبيا” للإشارة إلى السلوك الحاسد ، أو “أنت يهودي” كوصف رمزي لشخص يُنظر إليه بأنه يحسد الآخرين، .
وبذلك، يوازن المجتمع بين حماية الهوية الدينية والثقافية وعدم توجيه البغض إلى الأفراد لمجرد انتمائهم، ويعكس البغض في الله تفعيل مبدأ الولاء والبراء بطريقة عقلانية ومرنة، تحمي المجتمع من الهيمنة الخارجية دون تشويه العلاقات الإنسانية الداخلية.
استراتيجيات الجيلانية في حماية الهوية الصومالية
وفقًا لما يوضحه كتاب “استراتيجية الجيلانية في تطوير الطرق الصوفية في الصومال”، لعبت الطرق الصوفية دورًا محوريًا في مقاومة الاستعمار الإيطالي والبريطاني في الجنوب والشمال، ليس بالسلاح فقط، بل عبر المقاومة العقدية والثقافية، حيث غرست الصوفية كراهية الاستعمار وحماية الهوية الدينية في وجدان المجتمع الصومالي.
من أدوات هذه الاستراتيجية تحريف كلمة School إلى “Isqool”، ليصبح رمزًا للتحذير والتضليل العقدي وكشف مؤسسات التغريب والتنصير، بدل أن تكون مدارس تعليمية نظامية. كما تجسدت المقاومة الصوفية الصومالية في قصص رمزية، مثل قول شيخ في مدينة مركا الساحلية لزوجته: “أنتِ طالق إن رأيتِ كافرًا”،في سفرها الى العاصمة مقديشو وكانت نبتعد عن رؤية اماكن فيها الجنود الايطاليون خوفا من الطلاق،ما يعكس تطبيق مبدأ الولاء والبراء لعزل المستعمر نفسيًا وأخلاقيًا.
تطبيق الاستراتيجية في الصومال اليوم
يمكن إعادة تفعيل هذه الاستراتيجية لمواجهة التحديات الحديثة عبر:
المقاومة الثقافية والتعليمية: تشجيع مدارس ومؤسسات تعليمية تُركز على الهوية والثقافة الصومالية، مع توعية الطلاب بتاريخهم وتراثهم.
تحرير اللغة والرموز: استخدام اللغة والتعبيرات المحلية لتوعية المجتمع ضد الهيمنة الفكرية أو الثقافية من الخارج.
تعزيز الولاء المجتمعي: توسيع دائرة الانتماء الديني والثقافي بما يحقق التوازن بين الانفتاح على الآخرين وحماية الهوية، كما كان في المدن التاريخية المنفتحة.
الاستفادة من الإعلام الحديث: إنتاج محتوى يدمج التاريخ الصوفي والصومالي مع قيم الولاء والبراء لمواجهة التدخلات الثقافية الحديثة.
استخدام الرموز العقدية: مثل كلمة Isqool والقصص الرمزية لتوجيه الولاء والبغض بطريقة ذكية وفعالة، تعكس قيم المجتمع وهويته.
الخلاصة
تُعد استراتيجية الحب في الله والبغض في الله وسيلة لتنظيم المشاعر الجماعية والسيطرة على التوجهات العقدية والأخلاقية، بما يخدم حماية المجتمع والدين. وهي أيضًا إحدى الأدوات الذكية في استراتيجيات الجيلانية والصوفية في الصومال لمواجهة الاستعمار والتغريب، وتقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه اليوم في حماية الهوية الثقافية والدينية.

















