الإسراء والمعراج: رحلة الذات من النفس إلى الذات العُليا

المزيد للقراءة

:
الإسراء والمعراج: رحلة الذات من النفس إلى الذات العُليا
تمهيد
الإسراء والمعراج ليسا مجرد معجزة تاريخية فحسب، بل هما خريطة للوعي الإنساني، تكشف مسار ارتقاء الذات من أسر النفس، إلى انكشاف الحقيقة، ثم العودة إلى العالم بوظيفة أخلاقية ورسالية.
في هذا المعنى، يلتقي التصوف العميق بعلم النفس الوجودي عند مفهوم الذات العُليا، حيث تمثل الرحلة نموًّا داخليًا يربط الروح بالمعنى، والفرد بالمجتمع.
أولًا: النفس في لحظة الانكسار
وقعت الرحلة بعد عام الحزن؛ حيث بلغت النفس البشرية أقصى حالات الضغط والخذلان.
في علم النفس، تمثل هذه اللحظة ذروة الانهاك الوجودي، وفي التصوف هي لحظة الفقر الكامل.
🔹 هنا يبدأ التحوّل: حين تعجز النفس، يُفتح باب الذات العُليا.
يقول المؤلف: “الإسراء رحلة النفس من الظلام إلى الفجر، كما تتحوّل البذرة في الأرض إلى زهرة تحت أشعة الشمس.”
ثانيًا: الإسراء – انتقال الوعي لا الجسد فقط
الإسراء من مكة إلى القدس يرمز إلى:
الخروج من مركز الألم
الانتقال من الذات الجريحة إلى الذات الباحثة عن المعنى
في علم النفس العميق، يشبه هذا الانتقال التحول من الذات الدفاعية إلى الذات المتأملة.
يقول المؤلف: “الإسراء قبل المعراج كشرارة قبل النار، البداية الصغيرة تُفضي إلى تحول كامل.”.
“المسجد الأقصى رمز القدس في المعراج، كما تمثل اللوحة الفنية الكاملة في ذهن الفنان كل تفاصيل العالم.”
وبضيف المؤلف “المسجد الأقصى كخريطة للعالم، كل زاوية فيه تمثل قارة، وكل حجر فيه يحوي تاريخ الأمم، وقبته تُشرق على قلوب المؤمنين في كل مكان.”.
ثالثًا: المعراج – صعود الذات العُليا
المعراج يمثل ذروة التجربة:
انكشاف
حضور
قرب
في التصوف، هو مقام المشاهدة، وفي علم النفس لحظة التكامل النفسي حيث تتوحد الإرادة والمعنى والوعي.
🔹 الذات العُليا ليست هروبًا من الواقع، بل إعادة تنظيم للداخل.
يقول المؤلف:
“المعراج صعود إلى الذات العليا كما يتسلق الجبل الشامخ ليصل إلى قمة يرى العالم كله من منظور واحد.”.
“المعراج لحظة صمت الروح، كما يكون الربيع بعد شتاء طويل، فيه تتفتح براعم الفهم والتجربة.”.
رابعًا: الصلاة – نظام ضبط الذات
فرض الصلاة في المعراج يؤكد أن الذات العُليا لا تُبنى باللحظة الصوفية وحدها، بل بالعودة المنتظمة إلى المركز الداخلي.
في علم النفس، الصلاة تنظيم يومي للوعي يعيد ضبط النفس والنية والسلوك.
يقول المؤلف: “فرض الصلاة في السماء يعلّم أن النظام الروحي أهم من القوة الجسدية، كما أن السقالة تُثبت المبنى قبل أن يكتمل الطابق الأخير.”.
خامسًا: العودة إلى العالم – اكتمال الذات
أعظم ما في المعراج أن النبي ﷺ عاد إلى الناس. فالذات العُليا لا تنعزل، بل تخدم، تُصلح، وتتحمّل.
🔹 كل تجربة روحية لا تنتهي بالمسؤولية، تبقى تجربة ناقصة.
يقول المؤلف
“عودة النبي ﷺ من المعراج إلى الأرض كعودة الشجرة المزروعة إلى التربة بعد أن نمت في الظل، لتثمر في واقع الناس.”.
“الإسراء والمعراج يُعلّم أن القيادة الحقيقية تُمنح بالاستحقاق لا بالوراثة، كما لا تُختار الفكرة الناضجة إلا بعد اختبارها في الميدان.”.
“الإسراء والمعراج يُعلّم أن الحقيقة أحيانًا تُرى بالخيال قبل التجربة، كما يخطط المهندس للبناء على الورق قبل أن يُشيّد الحجر.”.
خاتمة
الإسراء والمعراج يقدّمان نموذجًا متكاملًا للذات العُليا:
انكسار → انتقال → صعود → تنظيم → عودة
وهذا هو جوهر التصوف الحق، وجوهر علم النفس الناضج، حيث تتكامل التجربة الروحية مع العمل والوعي الأخلاقي، لتصبح الذات قوةً خلاقة تؤثر في الواقع.
الكاتب والباحث في التصوف والسياسة والفلسفة
الدكتور حسن البصري

Share

اقرأ هذا أيضًا