قراءة في تعيين العميد إبراهيم قائدًا للقوات المسلحة الوطنية الصومالية.
*************
يُعدّ تعيين قائد جديد للقوات المسلحة الوطنية الصومالية حدثًا بالغ الأهمية، ليس فقط لكونه تغييرًا في هرم القيادة العسكرية، بل لأنه يأتي في مرحلة دقيقة تمر بها البلاد، تتشابك فيها التحديات الأمنية مع الاستحقاقات السياسية ومتطلبات بناء الدولة.
وفي هذا السياق، جاء تعيين العميد إبراهيم محمد محمود قائدًا للقوات المسلحة، وهو قرار يستدعي قراءة هادئة وموضوعية، بعيدة عن منطق الاصطفاف أو الأحكام المسبقة.
من حيث المبدأ، تقوم قيادة الجيش الوطني في أي دولة على معيارين أساسيين لا يمكن الفصل بينهما: المعرفة العسكرية المتخصصة والخبرة التراكمية. فالقائد العام لا يُطلب منه فقط إدارة المعارك، بل قيادة مؤسسة وطنية كبرى ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي، ووحدة الدولة، وعلاقتها بالمجتمع المدني وبالشركاء الدوليين. ولهذا تحرص الدول ذات المؤسسات الراسخة على أن يتولى هذا المنصب ضباط مرّوا بمراحل متعددة من الخدمة، واكتسبوا فهمًا عميقًا للعقيدة العسكرية، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات، وفنون القيادة.
وفي الحالة الصومالية، تتضاعف أهمية هذه المعايير نظرًا لطبيعة التحديات القائمة، وفي مقدمتها مكافحة الجماعات المسلحة، وإعادة بناء جيش وطني مهني، وتوحيد الرؤية القيادية داخل المؤسسة العسكرية. ومن هذا المنطلق، فإن تعيين العميد إبراهيم يضعه أمام مسؤولية وطنية وتاريخية تتجاوز شخصه، وتمتد إلى مستقبل الجيش الوطني ودوره في حماية الدولة.
إن دعم القائد الجديد لا يعني تغييب النقاش المهني حول معايير القيادة، بل إن الدعم الحقيقي يتمثل في تهيئة بيئة سياسية ومؤسسية سليمة تمكّنه من أداء مهامه بكفاءة واستقلالية.
فقد أثبتت التجارب السابقة أن كثيرًا من القادة العسكريين كانوا ضحايا لضعف التنسيق، أو غياب الرؤية، أو التدخلات التي أضعفت العمل المؤسسي وأثّرت سلبًا على أداء القوات المسلحة.
وعليه، فإن نجاح العميد إبراهيم لن يكون مرهونًا بقدراته الفردية وحدها، بل بمدى التزام القيادة السياسية باحترام التسلسل القيادي، ودعم الاحتراف العسكري، وربط المسؤوليات بالكفاءة والمعايير المهنية، لا بالاعتبارات الآنية. كما تتطلب المرحلة منه العمل على تعزيز الثقة داخل صفوف الجيش، ورفع الجاهزية القتالية، وترسيخ العلاقة الإيجابية بين القوات المسلحة والمجتمع.
وفي هذا الإطار، فإن العميد إبراهيم يستحق، في هذه المرحلة الحساسة، الدعم الوطني المسؤول القائم على الثقة المشروطة بالأداء، لا على المجاملة أو الاصطفاف. فنجاحه هو نجاح للمؤسسة العسكرية بأكملها، وليس إنجازًا شخصيًا.
ومن الواجب على جميع الفاعلين، سياسيين وعسكريين،وإعلاميين، أن يوفّروا له مساحة عمل مستقرة، وأن يتعاملوا مع قيادته باعتبارها فرصة لتعزيز المهنية والانضباط، لا ساحة لتصفية الحسابات أو إطلاق الأحكام المبكرة.
إن تمكين القيادة الجديدة، ومرافقتها بالنقد البنّاء، قد يشكّل خطوة حقيقية نحو جيش وطني أكثر تماسكًا وقدرة على حماية الدولة وصون سيادتها.
ختامًا، فإن تعيين قائد جديد للقوات المسلحة يجب أن يُفهم باعتباره فرصة لإعادة الاعتبار لمفهوم الجيش الوطني كمؤسسة دولة لا أداة صراع.
ومن هذا المنطلق، فإن العميد إبراهيم يستحق الدعم والتوفيق، لا بوصفه فردًا، بل باعتباره حاملًا لمسؤولية وطنية كبرى، نأمل أن تُسهم في تعزيز أمن الصومال واستقراره، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية مؤسسية واضحة وإرادة سياسية داعمة له.
















