بين النقد البنّاء ودعم الدولة: قراءة في مسار الإصلاح الحكومي
=====
في المراحل الانتقالية التي تمر بها الدول الخارجة من أزمات طويلة، يصبح التوازن بين النقد والدعم ضرورة وطنية.
فالدولة الصومالية اليوم تخوض مسارًا معقدًا لإعادة بناء مؤسساتها وترسيخ هيبتها، وسط تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة. وفي مثل هذا السياق، لا يكون السؤال: هل ننتقد أم ندعم؟ بل كيف ننتقد بوعي، وندعم بمسؤولية.
لا شك أن الحكومة الحالية، بقيادة رئيس الوزراء، تتحرك في بيئة مليئة بالتحديات.
إعادة تنظيم المؤسسات، ضبط الإيرادات، مكافحة الفساد، وتحسين الخدمات العامة، ليست ملفات سهلة ولا سريعة النتائج،ولكنها ملفات حاسمة، لأن شرعية أي حكومة في الدولة الحديثة تُقاس بمدى قدرتها على خدمة مواطنيها بكفاءة وعدالة.
الزيارات الميدانية المفاجئة، ومتابعة أداء المرافق الحيوية، والاستماع المباشر لشكاوى المواطنين، تعكس توجهًا نحو تقليص الفجوة بين صانع القرار والشارع. هذه الخطوات، وإن بدت رمزية للبعض، إلا أنها تحمل دلالة سياسية مهمة: مفادها أن المسؤولية لا تُمارس من خلف المكاتب فقط، بل في الميدان، حيث يختبر المواطن فعليًا أداء الدولة.
ومع ذلك، فإن الدعم الحقيقي لا يعني التصفيق غير المشروط. بل يعني تشجيع كل خطوة إصلاحية، مع المطالبة في الوقت نفسه بآليات واضحة للمتابعة والمساءلة.
فعندما تعلن الحكومة بأن الخدمات حق وليست منّة، فإن التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة يومية داخل كل مؤسسة، بعيدًا عن الرسوم غير القانونية أو التعقيدات الإدارية التي أثقلت كاهل المواطنين لسنوات.
من الإنصاف القول إن رئيس الوزراء يعمل في سياق سياسي معقد، يتطلب بناء توافقات داخلية، والتنسيق مع الولايات، وإدارة علاقات خارجية حساسة. هذه المعادلة تستدعي قيادة متوازنة، تجمع بين الحزم والانفتاح، وبين الإصلاح التدريجي والحفاظ على الاستقرار. وأي تقييم موضوعي للأداء الحكومي يجب أن يضع هذه العوامل في الحسبان.
إن دعم جهود الدولة اليوم ليس دعمًا لأشخاص بقدر ما هو دعم لمسار مؤسسي. فنجاح الحكومة في تبسيط الإجراءات، وضبط الرسوم، وتعزيز الشفافية، سينعكس إيجابًا على ثقة المواطن، وعلى بيئة الاستثمار، وعلى صورة الصومال إقليميًا ودوليًا. والثقة، كما هو معلوم، هي العملة السياسية الأهم في مراحل إعادة البناء.
وفي المقابل، تظل الحاجة قائمة إلى توسيع قنوات التواصل مع المواطنين، وتعزيز دور الأجهزة الرقابية، وتطوير أنظمة رقمية تقلل الاحتكاك المباشر الذي قد يفتح أبوابًا للتجاوزات. فالإصلاح المستدام لا يعتمد فقط على النوايا، بل على أنظمة واضحة ومؤسسات قوية.
إن المرحلة الحالية تتطلب خطابًا وطنيًا يبتعد عن الاستقطاب الحاد، ويعلي من قيمة المصلحة العامة. فالدولة ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا مشروعًا لفئة دون أخرى، بل كيان جامع ينبغي أن يلتف حوله الجميع. وفي هذا الإطار، فإن أي جهد صادق لتخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين جودة الخدمات يستحق الدعم والتشجيع.
وختامًا، يمكن القول إن الحكومة الصومالية أمام فرصة حقيقية لترسيخ نموذج إداري أكثر كفاءة وشفافية. والرهان ليس على الشعارات، بل على النتائج الملموسة في حياة الناس. وإذا نجحت القيادة التنفيذية في تحويل الوعود إلى سياسات قابلة للقياس والمحاسبة، فإن ذلك سيشكل خطوة مهمة نحو دولة مؤسسات قوية، تستمد شرعيتها من رضا شعبها وثقته.
دعم الدولة واجب، ونقدها حق. وبين الواجب والحق، تتشكل معالم الطريق نحو صومال أكثر استقرارًا وعدالة.














