ليس العاشر من أبريل/نيسان 2026، يوما عاديا في تاريخ الأرض والشعب الصوماليين، فهذه اللحظة التاريخية الفارقة، يجب اعتبارها فاصلا يمكن أن ينهي عقودا طويلة من المصاعب عاشتها الإنسانية في القرن الأفريقي.
إذ بوصول سفينة الحفر التركية “تشاغري باي” إلى شاطئ العاصمة الصومالية مقديشو، تبدأ أولى مراحل التنقيب الفعلي عن البترول في السواحل الصومالية، ليحمل اسم بئر “عُرَدْ” أي “المولود البكر” باللغة الصومالية تنويها بكونه حدثا تعلق الأمة الصومالية عليه أملها ليس فقط في البقاء بل تحقيق الأمان الاقتصادي والازدهار.
تجسيد الطموحات في واقع ملموس
رغم ظهور مؤشرات على وجود موارد هيدركربونية في الصومال منذ بدايات العقد الثاني من القرن الفائت، فإن بروز قيادة قادرة على حلحلة جملة من الملفات العالقة، قد أدى إلى الانطلاق لمرحلة جديدة من تنفيذ وعود الحكومات التي تعاقبت على البلاد منذ سبعة عقود.
إن انطلاق أعمال الحفر في بئر “عرد1” كان أوضح دليل على ثمار التقدم الذي حققته الدولة الصومالية في الانتقال من مرحلة الخروج من الأزمة إلى تنفيذ الخطوات الهادفة لتحقيق أسباب التنمية، ومن ثم إعادة الإعمار بموارد أرضها، والعودة- بعد عقود- لاستعادة مكانها المستحق بين الأمم.
نعم، لقد نجحت الدولة الصومالية في الخروج من مرحلة الخطابات والآمال والوعود، إلى خلق الإنجاز على أرض الواقع.
فالدولة الصومالية اليوم، بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود، أخرجت قطاع النفط والغاز في البلاد من مخاض الأمل، إلى ضوء الواقع، ومن الجمود في الأدراج التي حوت مئات آلاف الصفحات من الأبحاث والدراسات والتجارب، إلى الحركة والإنجاز، بعد استكمال المسوحات الزلزالية المتطورة التي غطت ثلاثة قطاعات بحرية بمساحة إجماليها 15 ألف كيلومتر مربع، لتكون جزءا من عمل سيغطي في المستقبل سواحلنا الشاسعة ضمن المياه الإقليمية والنطاق الاقتصادي البحري، لتنفيذ خطة وطنية متكاملة المعالم، تكون برهانا على أن وعود التنمية في الصومال، لم تعد مجرد شعار يُرفع، بل هو مشروع بدأ تنفيذه على الأرض فعليا.
تمكين للدولة من أن تؤدي دورها
في بلد زاخر بالثروات إن على أرضه أو في بحاره، مع نمو سكاني واعد بموارد بشرية غير محدودة، أظهرت القيادة الصومالية إدراكا عميقا لأهمية قطاع النفط والغاز، باعتباره مفتاحا أساسيا للنمو الذي آن أوانه.
فالتقديرات تتحدث عن احتياطيات ضخمة على الساحل الصومالي، مع مؤشرات لا تقل أهمية في البر كذلك، كل ذلك جعل البلاد تدخل ضمن نطاق اهتمام عالمي فيما يخص توفير احتياجاته من الطاقة، مع ميزة إستراتيجية يوفرها موقع البلاد في قلب الخريطة البحرية للعالم.
وهو ما يبرر الحماس في البدء بالحفر حتى عمق 7500 متر، في ملمح يؤكد جدية جميع الأطراف المنخرطة وطموحها في إنجاز العمل الذي سيخرج ما طرحته التقديرات بصورته المادية خلال شهور معدودة، لينتقل العمل بعدها من مجرد أنشطة الاستخراج إلى استكمال بناء قطاع طاقة متكامل، ببناه التحتية وكوادره والأنشطة الرديفة من تجارة وتصنيع وخدمات.
وهو ما يعد بانتعاش الاقتصاد ويوفر الموارد لتطوير قطاعات اقتصادية حيوية بدءا بإعادة إحياء الإنتاج الزراعي-الحيواني والصيد البحري، ليس فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي بل لتوسيع القائم من أنشطة الإنتاج المعد للتصدير.
وكذلك تطوير قطاع التعدين والطاقة المتجددة والبنى التحتية، وصولا إلى توفير الموارد للدولة لتؤدي دورها الذي تتوق إليه، ببناء بنية تحتية وخدمية تؤدي إلى تنمية بشرية حقيقية، شاملة ومستدامة.
العلاقات الدولية أداة للنهضة الاقتصادية
أدركت إدارة الرئيس حسن شيخ محمود أهمية العلاقات الدولية مع شركاء موثوقين، لتمهيد الطريق أمام تعاون مثمر، ولم يكن قطاع الطاقة مستثنى من ذلك، فبناء قطاع حيوي كهذا، يحقق أهدافا إستراتيجية غاية في الأهمية، إذ يجعل في متناول الشعب الصومالي الاستفادة من موارد بلاده.
وكذلك يمنح الدولة الصومالية وزنا إضافيا عبر التمكن من استغلال لبنة أخرى من لبنات النفوذ الدولي، التي منحها المولى- تعالى- للصومال، لكن تعذرت الاستفادة منها على مدى العقود الماضية.
وذلك كله يتطلب علاقات متينة مبنية على التعاون، وهو ما بدأ يتشكل، لتكون الشراكة مع الجمهورية التركية مثالا بارزا، أثمر أول عمليات التنقيب الخارجية لتركيا، والبدء بتنفيذها قبالة السواحل الصومالية، ودلالة على الثقة على مستويين:
أولهما الثقة المتينة بين الدولتين والشعبين.
وكذلك الثقة الحقيقية بوجود بيئة استثمار واعدة في الصومال، وفتح الباب واسعا أمام شراكة تتعدى العوائد الاقتصادية المباشرة، بل تمتد إلى نقل التكنولوجيا وبناء الخبرات الصومالية.
كما تعزز الأمن والحماية للمياه الإقليمية الصومالية ونطاقاتها الاقتصادية البحرية، ما يعزز السيادة ويجعل الصومال يأخذ مكانه المستحق بين الدول التي تمتلك الكثير من مقومات التأثير الدولي.
آفاق جديدة أمام مجتمع شاب
إن إدراك الرئيس الصومالي أن شعبه شعب فتي، جعل من أولى أولوياته وضع حجر الأساس لتنمية يمكن أن يطال ثمارها كل شعبه، فتحقيق النجاح في جذب استثمارات أجنبية مليارية- كما في حال قطاع الطاقة- يلبي الاحتياجات الملحة لتوفير الموارد اللازمة لترقية اليد العاملة الوطنية الشابة.
وذلك من خلال خلق فرص عمل مجزية في مجالات تتطلب المعرفة والمهارات عبر التدريب والتعليم، أو من خلال الوصول إلى مرحلة تشجيع الابتكار الاقتصادي في بلد تكاد تكون معظم القطاعات الاقتصادية فيه بكرا، أو تحتاج لضخ استثمارات في بناها التحتية والتمويل، لتحقيق عتبة يمكن من خلالها الانطلاق نحو الازدهار الاقتصادي، الذي سيكفل ليس فقط تراجع الهجرة الجماعية للفئات الشابة، بل يمكن أن يوقف نزيف العقول، ويدشن لمرحلة هجرة عكسية لملايين المغتربين والمهاجرين من الكوادر وذوي الخبرات والموارد.
وعلى ضوء ما سبق، فإن المشاريع المنطلقة في قطاع النفط والغاز، تعد بتحريك الأوضاع إيجابيا، بتوفير آلاف الوظائف، في القطاعات الهندسية والخدمات والنقل.
ومن خلال تلك المكاسب التي يقدمها ذلك القطاع، سيكون ممكنا التسريع في تطوير مشاريع البنية التحتية، الاقتصادية كالموانئ والمطارات، والمختلطة كشبكات الطرق والكهرباء والماء، والمجتمعية كالتعليم والصحة، بحيث يشعر الشعب الصومالي تدريجيا بتحسن مستحق لجودة الحياة على أرضه، وخصوصا الفئات الشابة التي ستجد ذلك دافعا لها لتقديم المزيد للمساهمة في بناء وطنها.
أمل ببدء حقبة أفضل
إن المستجدات اليوم في الصومال، بدءا من يوم العاشر من أبريل/نيسان، ليست مجرد مشروع تنقيب أو استثمار مالي مربح فحسب، بل هو نهاية للعقود الضائعة التي طغت عليها معاناة لشعب كريم، وهدر موارد وفرص ثمينة.
إننا اليوم أمام بداية استعادة البلاد عافيتها، وإصلاح صورتها التي شوهتها السنون الأخيرة الماضية، وهو ما كان نصب أعين القيادة الصومالية، ويتم تنفيذه ضمن خطة حقيقية لإحياء الاقتصاد الوطني، عبر استغلال الموارد وبناء التحالفات المدروسة.
والآن مع انطلاق أعمال التنقيب عن النفط في ظل التوقعات الإيجابية حول الاحتياطيات الاقتصادية والإنتاجية العالية، فقد جاءت لحظة التحول التاريخي، واضعين في الاعتبار التحديات التي تختبئ في منعطفات طريق التقدم.
ولكن مع وجود القيادة التي تمتلك وضوح الرؤية والإصرار، والشجاعة في الإقدام وتحمل مسؤولياتها، فإنه ليس أمام الصومال وشعبه إلا معانقة الأمل بأن وطنهم أصبح اليوم يمضي- دونما تردد- نحو حقبة أفضل، فكأنما غدا طريق المستقبل الزاهر ممهدا أمامهم أخيرا.
عبد الرحمن آدم
المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الصومالية
المصدر: الجزيرة.نت

