مقديشو –قراءات صومالية- شهدت العاصمة الصومالية مقديشو، اليوم، مراسم تاريخية لتنصيب أوغاس قبيلة مرسدي، في مناسبة تقليدية كبرى عكست عمق الحضور العشائري والثقل السياسي والاجتماعي الذي تتمتع به هذه الفعالية، وأكدت في الوقت ذاته استمرار دور القيادة التقليدية كركيزة أساسية في المجتمع الصومالي.
وشارك في الاحتفال زعماء العشائر والسلاطين ووجهاء القبائل، الذين توافدوا من مختلف مناطق القرن الإفريقي، حيث تنتشر القبيلة في العاصمة وضواحيها، وتمتد جذورها في مناطق واسعة من جنوب الصومال وأقاليم أخرى في المنطقة. وقد أضفى هذا الحضور المتنوع طابعًا إقليميًا على المناسبة، بما يعكس الامتداد الاجتماعي والثقافي للقبيلة عبر الحدود.
كما حضر المراسم عدد كبير من كبار المسؤولين وصناع القرار في الدولة، يتقدمهم رئيس الجمهورية، حسن شيخ محمود، ورئيس الوزراء، حمزة عبدي بري، إلى جانب نائب رئيس الوزراء، ورئيس مجلس الشيوخ، وعدد من الوزراء وأعضاء البرلمان، فضلًا عن سفراء ودبلوماسيين ومستشارين كبار، وكبار الضباط والجنرالات.
وامتد الحضور ليشمل شخصيات سياسية بارزة من المعارضة، ومرشحين لمنصب رئاسة الجمهورية، إضافة إلى رئيس صومالي سابق وعدد من رؤساء الوزراء السابقين الذين تجاوز عددهم خمسة تقريبًا، إلى جانب شخصيات سياسية مخضرمة وحالية، في مشهد عكس حالة نادرة من التلاقي بين مختلف الأطراف السياسية رغم تباين توجهاتها.
كما شارك في المناسبة رجال أعمال بارزون، ومثقفون، وشخصيات من المجتمع المدني، فضلًا عن شيوخ وأبناء بيوتات تقليدية عريقة في الزعامة، ما منح الحدث بعدًا اجتماعيًا وثقافيًا واسعًا، يعكس تنوع مكونات المجتمع الصومالي وثراءه.
وشهدت الفعالية أيضًا حضور عدد من رؤساء الولايات الفيدرالية، إلى جانب وفود قادمة من الخارج وبعثات دبلوماسية، في مؤشر على الاهتمام الإقليمي والدولي بمثل هذه المناسبات التي تمزج بين البعد التقليدي والسياسي.
وتكفلت القبيلة بتنظيم وتمويل الحفل، حيث استقبل أبناؤها الضيوف بحفاوة بالغة، في مشهد يعكس قيم الكرم والتكافل المتجذرة في الثقافة الصومالية. وقد برزت لافتة مشاركة أبناء القبيلة من مختلف التيارات السياسية في استقبال الضيوف، حيث تلاشت الفوارق السياسية لصالح الانتماء الاجتماعي، فكان الوزير يستقبل رموز المعارضة، بينما يستقبل أحد المعارضين رئيس الجمهورية، في تجسيد عملي للأعراف التي تتجاوز الحسابات السياسية.
ويرى مراقبون أن هذه المناسبة تمثل مساحة نادرة للقاء والتقارب بين مختلف مكونات المجتمع الصومالي، حيث تذوب الخلافات السياسية مؤقتًا، لتحل محلها أجواء من الصفاء والتواصل الاجتماعي. ففي مثل هذه الفعاليات، يجلس الصوماليون معًا، يتبادلون الأحاديث الودية، ويستحضرون روابطهم المشتركة القائمة على الدين والثقافة والهوية.
ورغم أن بعض الحاضرين قدموا من مناطق خارج حدود الدولة الصومالية، فإنهم يجتمعون على هوية واحدة، تعززها مثل هذه المناسبات التي تُعيد التأكيد على وحدة الانتماء، وتُبرز دور الأعراف والتقاليد في الحفاظ على النسيج الاجتماعي.
وفي المحصلة، تؤكد مراسم تنصيب أوغاس قبيلة مرسدي أن القيادة التقليدية لا تزال تلعب دورًا محوريًا في الحياة العامة بالصومال، ليس فقط بوصفها رمزًا اجتماعيًا، بل كجسر يربط بين مكونات المجتمع، ويسهم في تعزيز الاستقرار، وفتح قنوات الحوار، وترسيخ قيم التعايش والوحدة في بلد يواصل مساعيه نحو التعافي وبناء الدولة.

