الخلافات السياسية الصومالية وشرعية المؤسسات الدستورية: بين التمديد والانتقال الديمقراطي.
————————————-
تشهد الساحة السياسية في الصومال حالة من الاحتقان المتصاعد نتيجة الخلافات بين الحكومة الفيدرالية وقوى المعارضة حول شرعية المؤسسات الدستورية، وعلى رأسها مسألة تمديد ولاية الرئيس والبرلمان، وآلية تنظيم الانتخابات المقبلة. وتأتي هذه التطورات في ظرف سياسي وأمني دقيق، يفرض على جميع الأطراف تحمّل مسؤولياتهم الوطنية تغليبًا لمصلحة البلاد ووحدتها.
أولاً: جدل التمديد وشرعية المؤسسات.
صادق مجلسا البرلمان على تمديد ولاية المؤسسات الاتحادية حتى عام 2027، وهو ما أثار اعتراضًا واسعًا من قوى المعارضة التي ترى أن ولاية الرئيس قد انتهت في 15 مايو 2026، وأن أي تمديد يتجاوز هذا التاريخ يفتقر إلى الشرعية السياسية، حتى وإن استند إلى إجراءات برلمانية. في المقابل، يؤكد الرئيس حسن شيخ محمود أن التمديد تم عبر القنوات الدستورية من خلال مجلس الشعب ومجلس الشيوخ، وأن الهدف منه هو تهيئة الظروف لإجراء انتخابات مباشرة وفق نظام ديمقراطي حديث.
هذا الجدل يطرح سؤالاً جوهريًا حول تفسير النصوص الدستورية وحدود صلاحيات البرلمان في حالات الضرورة، كما يكشف عن فجوة ثقة بين الأطراف السياسية، وهي فجوة لا يمكن ردمها إلا بحوار شفاف وضمانات متبادلة.
ثانياً: من نظام المحاصصة القبلية إلى الاقتراع الشعبي المباشر.
من أبرز النقاط الخلافية كذلك طبيعة النظام الانتخابي المقبل. فلطالما اعتمدت الصومال نموذجًا غير مباشر، يقوم على اختيار المندوبين عبر شيوخ العشائر وسلاطين القبائل، في إطار صيغة 4.5 المعروفة لتقاسم السلطة. أما الحكومة الحالية فتدعو إلى الانتقال إلى انتخابات مباشرة يختار فيها الشعب ممثليه ورئيسه عبر صناديق الاقتراع.
من حيث المبدأ، يمثل هذا التحول خطوة مهمة نحو ترسيخ الديمقراطية وتعزيز مفهوم المواطنة، غير أن المعارضة تشكك في جاهزية البلاد أمنيًا ولوجستيًا لإجراء اقتراع عام شامل، في ظل استمرار التحديات الأمنية وضعف سيطرة الدولة على كامل أراضيها. ومن ثم، فإن نجاح هذا الانتقال يتطلب توافقًا وطنيًا واسعًا، وخطة واضحة المعالم، وضمانات لحياد المؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية.
ثالثاً: فشل مباحثات حالني وتداعياته.
شهد مجمع حالني في مقديشو لقاءات بين الحكومة والمعارضة برعاية دولية، إلا أن تلك المباحثات انتهت دون اتفاق. ويعكس هذا الفشل عمق التباين بين الطرفين، كما يثير مخاوف حقيقية من انزلاق البلاد نحو مزيد من الاستقطاب السياسي، وربما الأمني، إذا لم تُستأنف قنوات الحوار بروح أكثر مرونة.
إن استمرار الجمود السياسي قد يُضعف شرعية المؤسسات، ويعطي انطباعًا بغياب التوافق الوطني، وهو ما قد تستغله الأطراف المناوئة للاستقرار.
رابعاً: التحديات البنيوية للدولة الفيدرالية.
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن طبيعة النظام الفيدرالي الصومالي وتعقيداته. فالبلاد ما تزال تعاني من انقسام فعلي إلى كيانات شبه مستقلة، مثل أرض الصومال التي أعلنت انفصالها عام 1991 وتتمتع بقدر كبير من الاستقرار الداخلي دون اعتراف دولي رسمي، وكذلك ولايتا بونتلاند وجوبالاند اللتان تتمتعان بصلاحيات واسعة في إطار النظام الفيدرالي.
إضافة إلى ذلك، ما تزال الحكومة الاتحادية لا تسيطر بشكل كامل على جميع المناطق، في ظل نشاط حركة الشباب المسلحة في بعض الأقاليم، وهو ما يضعف هيبة الدولة ويعقّد أي عملية سياسية شاملة.
هذه التحديات تكشف أن الأزمة ليست مجرد خلاف سياسي عابر، بل هي أزمة بناء دولة لم تستكمل مؤسساتها بعد، ولم تُحسم فيها العلاقة النهائية بين المركز والأقاليم.
خامساً: الحاجة إلى تغليب المصلحة الوطنية
إن المرحلة الراهنة تتطلب من الرئيس والحكومة، وكذلك من المعارضة، التحلي بأقصى درجات المسؤولية الوطنية. فالتشبث بالمواقف السياسية دون مرونة قد يؤدي إلى تعميق الانقسام، بينما التنازل المتبادل في القضايا الخلافية يمكن أن يفتح الباب أمام تسوية تاريخية تحفظ وحدة البلاد واستقرارها.
إن المطلوب اليوم هو:
1. إطلاق حوار وطني شامل لا يُقصي أحدًا.
2. الاتفاق على جدول زمني واضح ومحدد للانتخابات.
3. ضمان استقلالية وحياد المؤسسات المشرفة على العملية الانتخابية.
4. تعزيز التعاون بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية.
5. تقديم المصلحة العليا للوطن على المصالح الحزبية أو الشخصية.
خاتمة.
تقف الصومال اليوم عند مفترق طرق تاريخي: إما أن تنتصر لغة التوافق والحوار، فتُرسَّخ شرعية المؤسسات وتُبنى دولة القانون، وإما أن يستمر الاستقطاب، بما يحمله من مخاطر على وحدة البلاد واستقرارها. إن تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود لا يكون بالشعارات، بل ببناء الثقة، واحترام الدستور، وإشراك جميع القوى السياسية في صياغة مستقبل مشترك.
إن الشعب الصومالي، الذي عانى طويلًا من الحروب والانقسامات، يستحق قيادة تضع مصالحه فوق كل اعتبار، وتسعى بصدق إلى توحيد الصفوف، وبناء دولة عادلة مستقرة، قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية بروح وطنية جامعة.
كتبه:علي شيخ محمد شافعي.
تاريخ:18/05/2026

