أكد رئيس الوزراء الصومالي حمزة عبدي بري أن الاستثمار في الزراعة والنظام الغذائي يمثل أحد المحاور الرئيسية في استراتيجية الحكومة لإعادة بناء الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي، داعياً إلى تحويل الإمكانات الزراعية التي تمتلكها البلاد إلى قطاع إنتاجي قادر على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل ودعم النمو المستدام.
وجاءت تصريحات بري خلال افتتاح أعمال المؤتمر الوطني للاستثمار في الزراعة والنظام الغذائي في الصومال (NAFIS 2026) في مقديشو، في خطوة تعكس توجهاً حكومياً متزايداً نحو توسيع قاعدة الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الواردات الغذائية، بالتوازي مع تنفيذ أولويات خطة التحول الوطنية (NTP).
الزراعة من قطاع تقليدي إلى محرك للنمو
وقال رئيس الوزراء إن الصومال يمتلك مقومات كبيرة تؤهله لتطوير قطاع زراعي أكثر إنتاجية، في مقدمتها مساحات واسعة من الأراضي الصالحة للزراعة، والموارد المائية، والثروة الحيوانية، إضافة إلى قوة بشرية يمكن توظيفها في تطوير الإنتاج وسلاسل القيمة الغذائية.
وأشار إلى أن الاستفادة من هذه الموارد تتطلب الانتقال من أنماط الإنتاج التقليدية إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية والأسواق، بما يسمح بزيادة الإنتاجية وتحسين جودة المنتجات المحلية ورفع قدرة المزارعين والمنتجين على الوصول إلى الأسواق.
ويضع هذا التوجه الزراعة في إطار أوسع من كونها نشاطاً اقتصادياً ريفياً، إذ تنظر إليها الحكومة باعتبارها قطاعاً يمكن أن يساهم في خلق فرص العمل، وزيادة الإيرادات، وتحفيز الصناعات المرتبطة بالغذاء، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز النشاط التجاري بين المناطق.
تقليص فاتورة الواردات وتعزيز الأمن الغذائي
وشدد بري على أن زيادة الإنتاج المحلي يمكن أن تساعد الصومال على تقليل الاعتماد على الواردات الغذائية، وتعزيز قدرته على مواجهة الصدمات الخارجية التي قد تؤثر في أسعار الغذاء وسلاسل الإمداد.
ويمثل الأمن الغذائي تحدياً استراتيجياً بالنسبة للصومال، حيث يتداخل مع الاستقرار الاقتصادي والتنمية الريفية وفرص العمل. ومن هذا المنطلق، تسعى الحكومة إلى ربط الاستثمار الزراعي بأهداف أوسع تشمل تحسين الإنتاج المحلي، وتطوير شبكات النقل والتخزين، وتعزيز الصناعات الغذائية، وفتح المجال أمام القطاع الخاص.
ولا تقتصر الرؤية الحكومية على زيادة الإنتاج الزراعي، بل تشمل تطوير ما يعرف بسلاسل القيمة، بما يسمح بتحويل المنتجات الزراعية إلى سلع ذات قيمة مضافة بدلاً من الاقتصار على إنتاج المواد الخام.
رسالة إلى المستثمرين والمؤسسات الدولية
وحمل خطاب رئيس الوزراء كذلك رسالة سياسية واقتصادية إلى المستثمرين والشركاء الدوليين، مفادها أن الحكومة تريد أن تصبح الاستثمارات الزراعية جزءاً من استراتيجية وطنية تقودها مؤسسات الدولة، وليس مجرد مشاريع منفصلة مرتبطة ببرامج المساعدات والتنمية التقليدية.
ودعا بري المؤسسات والمنظمات الدولية العاملة في الصومال إلى مواكبة التحولات التي تشهدها البلاد، والعمل وفق الخطط الوطنية والأولويات التي تحددها الحكومة، في تأكيد على رغبة مقديشو في تعزيز الملكية الوطنية لبرامج التنمية وتوجيه الموارد الخارجية نحو قطاعات تعتبرها الحكومة ذات أولوية استراتيجية.
وتعكس هذه الرسالة محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الحكومة وشركائها الدوليين، بحيث تنتقل تدريجياً من نموذج يعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الإنسانية إلى نموذج يركز بدرجة أكبر على الاستثمار والإنتاج وبناء القدرات الاقتصادية المحلية.
بعد إقليمي يتجاوز حدود الصومال
ويرى رئيس الوزراء أن تطوير القطاع الزراعي الصومالي يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز الحدود الوطنية، خصوصاً في منطقة القرن الأفريقي التي تواجه تحديات مرتبطة بالأمن الغذائي والمناخ والنمو السكاني والاضطرابات في سلاسل الإمداد.
وبحسب الرؤية التي طرحها بري، فإن تحويل الموارد الزراعية والمائية للصومال إلى إنتاج فعلي يمكن أن يعزز موقع البلاد في الاقتصاد الإقليمي، ويفتح فرصاً جديدة أمام التجارة والاستثمار، ويخلق روابط اقتصادية أكبر بين المنتجين المحليين والأسواق الإقليمية.
اقتصاد أكثر إنتاجية
ويأتي مؤتمر NAFIS 2026 في مرحلة تسعى فيها الحكومة الصومالية إلى إعادة توجيه الاقتصاد نحو القطاعات الإنتاجية، وتنويع مصادر النمو، وتشجيع القطاع الخاص على الاستثمار في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والبنية التحتية المرتبطة بها.
ويشير التركيز المتزايد على الزراعة إلى تحول في النظرة الحكومية إلى الأمن الغذائي، من قضية إنسانية مرتبطة بالأزمات إلى قضية اقتصادية واستراتيجية مرتبطة بالإنتاج والاستثمار والاستقرار.
وبذلك، يضع خطاب بري الزراعة في قلب معادلة التحول الاقتصادي الصومالي: إنتاج غذائي أكبر، اعتماد أقل على الواردات، استثمارات أوسع، وظائف أكثر للشباب، وإيرادات محلية أكبر، مع ربط هذه الأهداف بمسار أوسع لبناء اقتصاد صومالي أكثر قدرة على الاعتماد على موارده الوطنية وتحقيق نمو طويل الأجل.