“حُراس ولكن

المزيد للقراءة

“حُراس ولكن”

هل معلمو اللغة العربية والتربية الإسلامية أقل كفاءة وأكثر تعرضًا للتهميش، كما أشار الأستاذ إسماعيل إدلي، أحد كوادر وزارة التربية والتعليم الفدرالية؟ قولا واحدًا: نعم، وبلا تردد.

وأدرك أن هذا القول مؤلم وصعب، فالمادتان ليستا مجرد مقررات دراسية، بل من ركائز الهوية الصومالية وأحد معاقل حماية الأمة. لكن المشكلة ليست في قيمة المادتين، وإنما في منظومة إعداد المعلم، وبيئة عمل، ونظرة المعلم إلى مهنته.

وهذا ليس انطباعًا من خارج الميدان؛ وإنما هو نتيجة تجربة مباشرة امتدت لسنوات.  كُنت فيها أستاذًا اساسياً في كلية إعداد المعلمين (GTEC)، والتي كانت تمثل البوابة الرئيسة والرسمية في الولاية لكل من يرغب في الالتحاق بمهنة التعليم، ثم استاذاً  في برامج دبلوم إعداد معلمي اللغة العربية والتربية الإسلامية بجامعة بوصاصو.

بدءًا؛ ينتمي الغالبية العظمى من هؤلاء المعلمين إلى معاهد شرعية  التي تتراوح مدة الدراسة فيها بين ثلاث إلى ست سنوات، وهي فترة لا تمنحهم تكوينًا علميًا كافياً، فضلًا عن أن منهج فيها يقوم في الأساس على الحفظ والتلقين، على حساب الفهم والتحليل والتدريب على المهارات التربوية. والاشكالية الأكثر إرباكًا هو أن الالتحاق بهذه المعاهد لا يشترط إتمام مرحلة التعليم الأساسي؛ إذ يمكن لأي طالب الالتحاق بها دون شروط عمرية صارمة أو متطلبات تعليمية سابقة وانطلاقًا من هذه الخلفية السريعة، يلتحق “بعضهم” بالجامعة، ولكنها – بدورها  الجامعة- غير قادرة على سدّ ذلك النقص العميق في تكوينهم الأساسي.

ومن ثم يلتحق المعلم بالمؤسسة التعليمية التي غالبًا ما تركز على إجادته اللغوية وكفاءته الدينية أكثر من شهاداته الأكاديمية، ونظراً لوفرة الخريجين وتعدد مصادرهم -تجد مبررات –  إلى منحه الأجر الأقل من زملائه المعلمين في التخصصات الأخرى.

والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد؛ فالنظام التعليمي الصومالي الرسمي نفسه يتعامل مع مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية باعتبارهما مجرد “تحصيل حاصل”، فلا يُعَدُّ النجاح أو الرسوب فيهما بالجدية نفسها التي يُعَدُّ بها في المواد العلمية الأخرى. لذلك لا تخصص لهؤلاء المعلمين دورات تدريبية كافية إلا ما ندر.

أما بالنسبة إلى المعلم نفسه، فنظرته إلى مهنته تعكس قدراً كبيراً من الالتباس والاضطراب. فهو من جهة يشعر بأنه حامل مادة مقدسة، ومن جهة أخرى يرى عدم الجدية في التعامل معه، لكنه في المقابل يتكئ على قدسية المادة التي يدرّسها، فيكتفي بما لديه، ولا يبذل جهداً إضافياً في التدريب أو التطوير الذاتي (إلا القلة)، وكأن الأفكار المحبطة والمناخ السلبي المحيط به قد تسللت إليه دون أن يشعر.

أخيراً؛ إن أزمة معلمي اللغة العربية والتربية الإسلامية ليست وليدة اليوم، بل تعود إلى عهد العسكرية. غير أن خطورتها اليوم تكمن في الطريقة المرعبة التي تظهر فيها ، لذلك لا ينبغي تحميل اللوم للمعلم وحده، بل يجب أن نعترف بأنها أزمة شارك الجميع في صناعتها.
د. فاطمة حوش.
12-8-2026

فاطمة محمد حوش
فاطمة محمد حوش
كاتبة ومتخصصة في التربية

Share

اقرأ هذا أيضًا