من مقديشو.. حين يتحول التعاون في مكافحة الإرهاب إلى قدرة مؤثرة

المزيد للقراءة

من مقديشو.. حين يتحول التعاون في مكافحة الإرهاب إلى قدرة مؤثرة

عندما تأسس التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب، كان واضحاً أن طبيعة التهديد الإرهابي تتجاوز قدرة أي دولة على مواجهته منفردة. فالإرهاب لم يعد ظاهرة أمنية محلية، بل شبكة عابرة للحدود، تتحرك فيها الأفكار والخطابات المتطرفة والموارد والشبكات الرقمية بسرعة تفوق أحياناً قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة. ومن هنا أصبح التعاون وتبادل الخبرات وبناء القدرات المشتركة ضرورة استراتيجية، لا مجرد خيار سياسي.

وفي هذا السياق، تكتسب مبادرة «إعلاميو السلام» التي أُطلقت في العاصمة الصومالية مقديشو أهمية تتجاوز بعدها التدريبي المباشر؛ فهي تقدم نموذجاً عملياً لكيفية انتقال التعاون الإقليمي من مستوى التنسيق المؤسسي إلى بناء قدرات وطنية قادرة على التعامل مع تحديات التطرف والإرهاب في بيئتها المحلية.

إن اختيار مقديشو لإطلاق هذه المبادرة يحمل دلالة مهمة. فهو يؤكد أن جهود التحالف لا تقتصر على المؤتمرات والاجتماعات وتبادل البيانات، وإنما تمتد إلى المؤسسات الوطنية والكوادر المحلية، حيث تُبنى الخبرة وتتطور الأدوات وتتحول المعرفة إلى ممارسة فعلية على الأرض.

والأهم أن المبادرة تنطلق من فهم أكثر شمولاً لطبيعة المعركة ضد الإرهاب. فمواجهة التنظيمات المتطرفة لا تُحسم بالسلاح وحده، ولا يمكن اختزالها في العمليات الأمنية والعسكرية. هناك معركة موازية تدور حول الفكر والخطاب والإعلام والوعي المجتمعي والفضاء الرقمي، وهي ساحات أصبحت التنظيمات الإرهابية تستثمر فيها بصورة متزايدة.

لقد تغيرت قواعد التأثير الإعلامي. ففي دقائق معدودة يمكن لمعلومة مضللة أن تصل إلى آلاف الأشخاص، ويمكن لمقطع مفبرك أو خطاب متطرف أو رواية مجتزأة أن يصنع أثراً واسعاً قبل أن تتمكن المؤسسات المهنية من التحقق منه أو تصحيح مساره. ولذلك لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح أحد ميادين الأمن الوطني والاستقرار المجتمعي.

ومن هنا تبرز أهمية تأهيل الصحفيين والإعلاميين القادرين على فهم آليات الدعاية المتطرفة، والتحقق من المحتوى الرقمي، ورصد حملات التضليل، والتعامل المهني مع الخطاب الذي تستثمره الجماعات الإرهابية في التجنيد والتعبئة والتأثير.

وتقدم مبادرة «إعلاميو السلام» في هذا الجانب نموذجاً يستحق التوقف عنده؛ لأنها تضع الإعلام ضمن منظومة أوسع لمواجهة الإرهاب، وتتعامل مع الدول الأعضاء بوصفها شركاء في إنتاج المعرفة وبناء القدرات، لا مجرد متلقين لبرامج تدريبية جاهزة.

أما الصومال، الذي يخوض منذ سنوات مواجهة مع واحدة من أكثر التنظيمات الإرهابية نشاطاً في المنطقة، فإنه يمثل بيئة مهمة لاختبار مثل هذه المبادرات وتطويرها. كما أن الحضور الرسمي رفيع المستوى في إطلاقها يعكس إدراكاً متزايداً بأن الإعلام لم يعد قطاعاً منفصلاً عن قضايا الأمن والسلام، بل أصبح جزءاً من المعركة على الوعي، ومن عملية بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

لكن القيمة الحقيقية لأي مبادرة من هذا النوع لا تكمن في لحظة إطلاقها، وإنما في قدرتها على الاستمرار والتوسع وتحويل التدريب إلى شبكة مهنية مستدامة. ومن المهم أن تتبعها مراحل جديدة تشمل تدريب أجيال إضافية من الإعلاميين، وإنشاء شبكات تعاون بين المؤسسات الصحفية في الدول الأعضاء، وتطوير برامج متقدمة في التحقق الرقمي ورصد المحتوى المتطرف ومواجهة حملات التضليل الإعلامي.

فالتحديات تتغير باستمرار، والتنظيمات الإرهابية تطور أدواتها وخطابها وأساليب انتشارها، الأمر الذي يفرض على المؤسسات الوطنية والإقليمية أن تطور أدواتها بالسرعة نفسها، وأن تنتقل من رد الفعل إلى الاستباق وبناء القدرة والجاهزية.

إن أفضل أشكال التعاون الإقليمي ليست تلك التي تكتفي بإدارة الأزمات القائمة، بل تلك التي تبني قدرات طويلة الأمد تقلل من فرص نشوء الأزمات المقبلة وتحد من آثارها عندما تقع.

ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى إطلاق «إعلاميو السلام» من مقديشو باعتباره أكثر من فعالية تدريبية أو برنامج إعلامي؛ إنه نموذج مصغر لفكرة استراتيجية أكبر: أن مواجهة الإرهاب تصبح أكثر فاعلية عندما تتكامل الخبرات، وتتشارك الدول المعرفة، وتنتقل الشراكات من مستوى الخطاب إلى مستوى بناء القدرات داخل المجتمعات.

وفي عالم أصبحت فيه المعلومة جزءاً من معادلة الأمن، أصبح الإعلام المهني والمسؤول أحد خطوط الدفاع المتقدمة عن الوعي المجتمعي. ولذلك فإن الاستثمار في الصحفيين والإعلاميين، وتعزيز قدرتهم على التحقق والتوعية ومواجهة التضليل، ليس مهمة هامشية في معركة مكافحة الإرهاب، بل هو استثمار مباشر في السلام والاستقرار وصناعة المناعة المجتمعية.

ومن مقديشو، تبدو الرسالة واضحة: مواجهة الإرهاب لا تحتاج إلى تعاون أمني وعسكري فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى تعاون في الفكر والإعلام وبناء الوعي؛ لأن المعركة على الأرض قد تحسم مواجهة، لكن المعركة على العقول هي التي تحدد مستقبل التطرف والإرهاب على المدى البعيد.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا