الدولة والقبيلة فى صراع سياسي ، أم فى تكامل سياسي

المزيد للقراءة

الدولة والقبيلة فى صراع سياسي ، أم فى تكامل سياسي . عبد الرحمن بشير
(محاولة فى فهم التخبط السياسي ، ولماذا غابت الفكرة التعاقدية فى خطابنا السياسي  ؟ )
…………………………………………. …………………………. ………………………. …………………
لدينا فى التاريخ الإسلامي تجربة  فريدة  حول الدولة والقبيلة ، وهي التجربة النبوية الثرية في غزارة قيمها  والخالدة فى تعاملها مع ظاهرة القبيلة فى الجزيرة العربية ، لأننا نعرف أن النبي الكريم عليه الصلاةوالسلام نجح فى إقامة دولة حقيقية فى المدينة ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقم دولة بسيطة كما قرر ابن خلدون فى كتابه ( المقدمة ) ، بل أقام دولة مدنية مركبة ومعقدة ، ولديها مرجعية إسلامية ( وإن تنازعتم فى شيء فردوه إلى الله ورسوله ) ، ونجح الرسل عليه الصلاة والسلام فى استيعاب القبيلة فى المشروع ، ولَم تستوعب القبيلة مشروع الدولة ، ومن هنا كانت القبيلة فى العصر النبوي مشروع بناء سياسي ، ولم تكن مشروع هدم كما فعلت فيما بعد .

أقام النبي عليه الصلاة والسلم مفهوم الدولة لأول مرة فى الجزيرة العربية ، فكان فى الجزيرة العربية ، وخاصة فى مكة فراغا سياسيا ، ولَم تكن دولة بالمعنى العلمي للدولة ، بل كان تنظما عشائريا قريبا من العمل المنظم قبليا  فى مكة ، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أراد الدخول والذهاب والهجرة إلى المدينة المنورة لإقامة أول دولة فى تاريخ الإسلام ، الدولة التى تقوم على الفكرة ، لا على الجغرافيا فقط  ، ولا على العرق فحسب ، دخل مع قبيلتي ( الأوس والخزرج ) عقدا مركبا مكونا من أساسين ، من آساس ديني ، وعهد سياسي ) فبايعوه على السمع والطاعة ، ومن هذا العقد الفكري النوعي ، والعهد السياسي المبني على السمع والطاعة ، تأسست الدولة الأولى فى الإسلام ، والتجربة النبوية الفريدة فى التاريخ ، وأغلب من يدرس التاريخ لا يلتفت إلى أهمية هذا العقد ، فهذا العقد جرى ما بين طرفين أساسيين ، مثل الطرف الأول النبي الكريم باعتباره القائد الذى يخطط فى بناء النموذج ( الدولة الإسلامية ) ، بينما مثل الطرف الثانى ( الأنصار ) وقد كان عدد من حضر بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا  من قبيلتي الأوس والخزرج ، وامرأتان وهما أم عمارة ، وأم منيع رضي الله عنهما ، ومن هنا نفهم دور المرأة فى البناء ، وأن حضورهما يفيد معنى سياسيا ، وهو أن المرأة فى الإسلام ليست قعيدة البيت فقط تحسن الطبخ ، وتجيد التبعل ، وتتقن فنون الطاعة لزوجها ، ولكنها مع ذلك لها اهتمامات سياسية ، وعندها حضور فى الشؤون العامة ، ولهذا رأينا حضور أم عمارة وأم منيع رضي الله عنهما .

على ماذا قامت الدولة فى التجربة النبوية ؟
لقد أقام النبي عليه الصلاة والسلام دولته على أسس أربعة :

أولا : الأساس الفكري ، وهذا الأساس هو الذى جعل الدولة ناجحا ، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أقنع الناس جميعا بأن الفوضى السياسية ليست حلا ، بل هي الخراب ، وأنه لن يكون للأمة موقعا تحت الشمس ما لم تكن هناك دولة ، والدولة بحاجة إلى أمرين ، السمع والطاعة ( التنظيم السياسي المحكم ) ، ومن هنا نجد النصوص المتوافرة فى هذا الباب ، فهي تصنع شيئا واحدا ، وهو بناء الدولة من الداخل ، ونحن نعرف أن العرب كانوا فوضويين بطبعهم ، ولَم يطيقوا السمع والطاعة ، والأمر الثانى هو إقامة النظام السياسي على مبدأ ( الشورى ) ، والشورى فكرة وممارسة ، ومن هنا رأينا أن الشورى متعلق كمبدأ  بالأمر ، والأمر فى آيتى الشورى جاء مع ( أل ) ليفيد بأن الشورى كمبدأ سياسي يدخل فى كل مجالات الحياة ما لم يرد نص ، فإن ورد نص محكم ، ومقطوع به ، فلا اجتهاد معه ، ولا شورى فى هذا المجال .

ثانيا : الإخاء العام ، فقد هدم الإسلام التواصل الخطير ما بين الناس قبل النبوة ، حيث كان التواصل قبليا فقط ، ولكنه جاء إلى الحياة نظاما فكريا يقوم على التواصل بالفكرة ، ولأول مرة فى تاريخ العرب يصبح ( بلال ) الحبشي سيدا فى المشروع النبوي ، ذلك لأن المساواة ما بين الناس هي وحدها تؤسس للمرحلة ما قبل المشروع القبلي ، ولهذا قال عمر رضي الله عنه : أعتق سيدنا أبوبكر سيدنا بلال .

لقد تجاوز الإسلام الترابط العرقي كمشروع سياسي وحيد في الجزيرة بدون حروب ، فقد تحدث عن الأخوة لأجل  العقيدة ( إنما المؤمنون إخوة ) ( المسلم أخو المسلم ) ، وبهذا تم بناء الدولة على هذا الأساس ، فكان سلمان الفارسي ركنا من أركان الدولة ، وكذلك صهيب  الرومي ، وبلال الحبشي ، وأبو بكر العربي ، كل واحد من هؤلاء يمثل قارة من العالم القديم ليبرهن من البداية عالمية التجربة  الإسلامية الوليدة ، لأنها قامت على الفكرة ، والفكرة من شأنها تجاوز الجغرافيا والتاريخ .

ثالثا : إقامة الدستور ، فالرسول عليه الصلاة والسلام باعتباره شخصية قيادية فذة ، فكّر وخطّط فى بناء دولة ذات مرجعية دستورية ، ولهذا كتب ما سمي تاريخا ( بصحيفة المدينة ) ، وقيل عنها أيضا ( وثيقة المدينة ) ، وهي مكتوبة بلغة الدساتير ، وتتحدث عن مرجعية الدولة ، ورئاستها ، وعن حقوق الناس ، وواحباتهم باعتبارهم مواطنين فى الدولة ورعاياها ، وليس فقط باعتبارهم مؤمنين ، وتحدثت عن حقوق القائد ، وحقوق الشعب باختلاف عقائدهم ، وذكر الأستاذ محمد حميد الله بأنها كانت أول دستور فى العالم ، ولكن هذا لا يصح ، فكان هناك مئات من التجارب الدستورية عند الإغريق ، والرومان قبل هذه التجربة الفريدة ، ولكننا نؤكد بأنها كانت أول تجربة فى الشرق ، ذلك لأن الشرق من العالم القديم لم يعرف تجربة وضع الدستور .

إن الدولة الناجحة تقوم :

اولا : على التفاهمات
ثانيا : والتفاهمات بحاجة إلى التراضى
ثالثا : والتراضي مبني على العقود
رابعا : والعقود يجب تحويلها إلى مشروع سياسي
خامسا : والمشروع السياسي لا يقوم إلا على الدستور
سادسا : والدستور الحقيقي هو الذى يقود العملية السياسية
سابعا : والمجتمع الواعي يحافظ توازنه السياسي من خلال التدافع

وكل هذا في الزمن غير حاضر عند غالبية النخب فى بلادنا ، ولهذا يحاول الناس فى العصر الحديث يكتبون دساتير جميلة ، بيد انها  تبقى اوراقا  غير قابلة للتطبيق ، ومن هنا نجد الفشل السياسي فى عالم الدساتير الورقية .

ليس هناك تناقضا ما بين وجود الدستور ، ووجود الشريعة فى عالم المسلمين كما يشيع كثير من الدعاة الذين لا يفهمون التجربة النبوية السياسية ، فالشريعة فى بلادنا تمثل المرجع النهائي ويتم ذكر ذلك فى الدستور كما صنعت صحيفة المدينة .

رابعا : تمدين المجتمع ، فالرسول عليه الصلاة والسلام أقام مشروعه السياسي على تحويل المجتمع من البداوة إلى المدينة ، فهذا التحوّل  الاستراتيجي هو الذي جعل الناس يقومون على فكرة الدولة ، وليس على فكرة القبيلة ، فالناس لا يتحولون نظريا ، ولا يتغيرون من خلال الوعظ فقط ، بل التغيير يتطلب مشروعا سياسيا متكاملا ، ومن هذا المشروع هو دمج القبيلة فى المشروع ، وليس دمج المشروع فى القبيلة ، وحتى يكون هذا المشروع ناجحا ، فلا بد من إعداد أرضية فكرية لهذا المشروع ، ومن أهم معالم المشروع ( تمدين الناس ) ، والخروج من عالم ( الأعراب ) إلى عالم ( المدينة ) ، واسم المدينة لم يكن معروفا قبل النبوة ، بل كان لديها اسم آخر ( يثرِب ) ولها أسماء كثيرة ، ولكن مع بزوغ الإسلام برز هذا الجديد الذى يحمل فى طياته تغييرا فى المفاهيم ، وثورة فى الاتجاه  ، فالمدينة تتطلب علاقات غير دموية ، بل تقوم العلاقات على ركنين أساسيين ، الركن المفاهيمي ، والركن المصلحي ، ومن هنا يكون المشروع ناجحا

لقد نجح النبي الكريم عليه الصلاة والسلام فى بناء دولة نموذجية ، ولكن السؤال ماذا صنع الرسول الكريم  عليه الصلاة والسلام للقبيلة ، والتى كانت عند الإنسان العربي ركنا اجتماعياً ؟
لم يحارب الظاهرة ( القبيلة ) ، ولكنه رفض أن تتحول القبيلة ذاتها إلى ( دولة ) ، أي إلى مشروع سياسي ، ومن هنا وضع القبيلة فى موقعها ، ذلك لأن القبيلة ظاهرة اجتماعية ، ولذا ورد ذكرها فى الكتاب كمكون اجتماعي متعلق بإرادة الله ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ) ، وأنهت التجربة النبوية التفاخر بالقبيلة ، ومنحت البشرية مسارا جديدا ، وهو أن التفاخر ليس بالدم ، لأن الإنسان لم يختر قبيلته ، بل التفاخر يكون بالكسب ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) .

خطب الرسول عليه الصلاة والسلام يوم فتح مكة ، والنَّاس من حوله يتكاثرون ، وينتظرون أن يسمعوا خطابا  جديدا ونوعيا ، والمناخ السياسي فى هذا اليوم العظيم ، يوم فتح مكة من شأنه أن يعرف الناس كيف ستكون هذه الدولة التى تمتد فى الجزيرة العربية ؟
خطب النبي القائد عليه الصلاة والسلام ، وأمامه صناديد قريش فقال : أيها الناس ، إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية ، وتعاظمها بآباءها  ، فالناس رجلان : برّ كريم تقي على الله ، وفاجر شقي هيّن على الله ، والنَّاس بنو آدم ، وخلق الله آدم من تراب ثم قرأ قوله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى إلخ  )

لقد استطاع القائد العظيم ، والنبي الكريم عليه الصلاة والسلام بهذه الخطوات العلمية المبنية على القيم استيعاب مشروع القبيلة فى داخل المنظومة السياسية للدولة ، وبهذا نجح النبي عليه الصلاة والسلام تكوين النموذج فى بناء الدولة التى من شأنها استيعاب القبيلة ، وليس فى مكافحتها ، أو تجاوزها ، فإقامة الحرب على القبيلة كظاهرة اجتماعية غير ممكنة ، وتجاوزها سياسيا فى مرحلة البناء للدولة ، وخاصة عند الشعوب القائمة على الفكر القبلي غير ممكن ، ولكن الذى يجب على من يريد بناء دولة مستدامة ، هو تبنى فكرة الاستيعاب ، وطرح مشروع استراتيجي يجعل الدولة غير قابلة للابتلاع  ، وهذا ليس أمرا سهلا ، وخاصة فى القرن الأفريقي ، ولكنه ليس مستحيلا ، ذلك لأن بناء الدولة ليس مشروع السياسيين فقط ، بل هو مشروع الأمة جميعا ، وبناء المشروع يجب أن يتأسس على الفكرة ، والفكرة تنتج من النخب ، ولهذا فلا بد من ميلاد نخب فكرية فى الأمة ، فلا يمكن بناء الدولة بدون مشروع سياسي ، وليس من الممكن بناء مشروع سياسي بدون أفكار ، والأفكار صناعة النخب ، ومن هنا نعرف قيمة المفكرين قبل الثورة الفرنسية ، ولولا هؤلاء المفكرين لما ظهرت الدولة الحديثة فى الوجود .

إن القبيلة فى القرن الأفريقي عقبة سياسية أمام بناء الدولة الحديثة ، والسبب هو أن المواطن يفكر فى داخل قفص القبيلة ، والقبيلة بالنسبة له مسألة وجودية ، ومن هنا فلا بد من طرح مفهوم جديد يفرق ما بين الدولة والقبيلة من جانب ، ويضع القبيلة فى موقعها من الإعراب من جانب آخر ، فلن تنجح تجربة سياسية فى القرن ما لم ننجح فى تفكيك القبيلة ، وما لم نقدم إجابة شافية عن السؤال المحوري ، ما هي شكل الدولة التى نريد بناؤها ؟ حينها فقط نستطيع أن نضع ذاتنا فى المكان المناسب ، أما قبل ذلك سنبقى فى التيه الفكري ، وسنتحدث عن دولة المستحيل ، وليس عن دولة الممكن .

هكذا قدمت التجربة النبوية مشروعها الناجح ، وما زالت التجربة ملهمة للناس عندنا ، ولكن المشكلة تكمن في تجاوز التجربة بدون فهم للمقتضيات وسياقاتها التاريخية ، ونجاحاتها الملهمة ، كما أن بعض الناس يجتهدون في خارج التجربة ، ويتعثرون ، بل ويتخبطون ، فتراهم يجعلون القبيلة اساس المشروع ، بينما بعضهم يحاولون تجاوز القبيلة بعقلية حادة ، ومن هنا نعرف مدى عظمة التجربة النبوية فى الاستيعاب ، وعدم تجاوزها ، وبناء الفكرة المركزية للدولة الناشئة ، ومن هنا نؤكد أن بناء الدولة الحديثة يجب ان تقوم على الفكرة ، لا علي الدم ، وتتبنى الحغرافيا السياسية ، وتعظم فكرة التعاقد ، وتمنح التراضي مكانا فى الدستور ، ويتحول الدستور إلى واقع ، لا إلى أوراق مجردة عن الفعل السياسي .

عبد الرحمن سليمان بشير
عبد الرحمن سليمان بشير
كاتب ومفكر جيبوتي

Share

اقرأ هذا أيضًا