من قتل الجندي أحمد؟
دعني أصدمك قليلًا، وأضع أمامك فرضية قديمة: ليس كل قتلٍ يُرتكب باسم القبلية هو بالضرورة ثأرًا قبليًا.
فبحسب قراءات الأنثروبولوجيا الاجتماعية، لا يُنظر إلى الثأر في المجتمعات القبلية باعتباره مجرد سلوك «همجي» أو فعلًا غير عقلاني، وإنما بوصفه منظومة اجتماعية لها منطقها وأعرافها وقواعدها، وتقوم على تحقيق مكاسب محددة، من أبرزها: جلب الفخر، وتحقيق السلطة والغلبة، وردّ الاعتبار، والحصول على الاعتراف الاجتماعي، وإثبات الرجولة والشجاعة.
وهذه المكاسب هي التي تمنح أفعال الثأر معناها داخل الجماعة، بل قد تدفع الجماعة أحيانًا إلى التغاضي عن بعض القواعد والوقوف خلف الفعل، إذا كان ذلك يحقق لها تلك المكاسب.
فعل سبيل المثال الحرب الأهلية، استخدمت استراتيجية “بشعة” وهي (إحداث جرح في ذاكرة القبيلة المضادة)؛ وعلى أساسها مارست القبائل الصومالية القتل اتجاه بعضها البعض، من أجل مكسب أكبر، لا يستهدف الضحية المباشرة فحسب، وإنما يهدف إلى إذلال الجماعة الأخرى، لإثبات الغلبة، وترك أثرٍ طويل في ذاكرتها الجمعية.
لكن المفارقة في قصة الشهيد أحمد “تكمن” في أن هذا الفعل العلني أمام بقية القبائل ، لا يحقق أيًّا من المكاسب التي يُفترض أن يبرر بها المنطق القبلي في فعل الثأر، ومن يفهم منطق العرف الداخلي للمجتمع الصومالي يدرك أن الحاضنة القبلية، حتى في أكثر حالات التعصب، لا تتحرك لحماية كل فعل يُرتكب باسمها، إذا رأيت في الفعل ما لا يحفظ ماء وجهها. إذا من قتل الجندي أحمد؟
هنا تبدأ القصة الحقيقية؛ أحمد هو ضحية فوضتين، فوضى مؤسسة عسكرية، هشة، متنقلة الأيدولوجيات، بلا عقيدة عسكرية واضحة، مازلت تقف على مستوى الشعارات الوطنية، تعاني من التسيس، والعجز الاقتصادي، والفقر الثقافي، وبلا استراتيجية تأمينية تحمي بها جنودها.
ولأن الساحة الصومالية أصبحت ساحةً مفتوحة للصراعات والتنافسات الداخلية والخارجية، فقد أفسح ذلك المجال لصُنّاع ومهندسي «الفوضى الخلّاقة»؛ فالشهيد أحمد ضحيةُ تنافسٍ يهدف إلى خلق واقعٍ مغاير، وإعادة صياغة المعادلة الجديدة على الخريطة الاجتماعية ومراكز القوى.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، تبرئة الشحن القبلي والتجاوزات الشنيعة التي كانت قبل مقتل الشهيد أحمد، لكن ما أحاول قوله هو أن اختزال مقتل أحمد في الثأر القبلي وحده ، هي قراءةً سهلة لواقعة أكثر تعقيدًا. فحين لا تنسجم الجريمة مع منطق الثأر ومكاسبه وأعرافه القبلية، يصبح من الضروري أن نبحث عمّا هو أبعد من القبيلة: من المستفيد؟ وما الهدف؟ ومن الذي أراد أن يحوّل دم أحمد إلى أداة في صراع أكبر؟
د. فاطمة حوش
12/9/2026

