حسن شيخ محمود وحمزة عبدي بري 2022–2026: أربع سنوات على طريق بناء الدولة الصومالية وتعزيز المكاسب الاستراتيجية

المزيد للقراءة

عندما نتأمل مسار الدولة الصومالية بين عامي 2022 و2026، فإن أحد أبرز العوامل التي تستحق التوقف عندها هو مستوى التعاون بين رئيس الجمهورية حسن شيخ محمود ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري، وما نتج عن هذا التعاون من سياسات وقرارات ومسارات إصلاحية مست جوانب أساسية من مستقبل الدولة الصومالية.

لم تكن هذه السنوات مرحلة عادية في تاريخ الصومال؛ فقد تزامنت مع تحديات أمنية وسياسية واقتصادية ودستورية معقدة، في وقت كانت فيه الدولة تسعى إلى استعادة قدراتها وتعزيز سيادتها وترسيخ حضورها الإقليمي والدولي.
ومن هنا، فإن أهمية التعاون بين مؤسسة الرئاسة ورئاسة الوزراء لا تُقاس فقط بعدد القرارات التي اتُّخذت، وإنما بمدى القدرة على تحويل الإرادة السياسية إلى مشروع وطني متكامل يقوم على الأمن، والاستقرار، والإصلاح، والسيادة، والتنمية، وبناء المؤسسات.
الأمن والسيادة.. استعادة زمام المبادرة
كان الأمن في مقدمة الملفات التي واجهتها الحكومة منذ عام 2022. فقد دخلت الدولة مرحلة أكثر نشاطًا في مواجهة حركة الشباب، بالتوازي مع جهود إعادة بناء القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وتعزيز التدريب والتسليح والتنسيق مع الشركاء الدوليين.
ورغم أن التحدي الأمني لم ينتهِ، فإن السنوات الأربع شهدت انتقالًا مهمًا في مفهوم التعامل مع الملف الأمني، من الاعتماد الكبير على القوات الأجنبية إلى التركيز بصورة أكبر على بناء قدرة صومالية وطنية قادرة على تحمل المسؤولية الأمنية.
وهذه المسألة ترتبط مباشرة بمفهوم السيادة؛ فالدولة لا تستطيع أن تكون مستقلة في قرارها السياسي والاقتصادي ما لم تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية قادرة على حماية أراضيها ومصالحها الوطنية.
الاقتصاد وإعفاء الديون.. استعادة مساحة للحركة
من أهم التطورات الاقتصادية خلال هذه المرحلة استكمال الصومال مسار إعفاء الديون الخارجية في إطار مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون، وهو إنجاز أعاد ترتيب العلاقة بين الدولة والمؤسسات المالية الدولية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها لا تعني مجرد التخلص من أعباء مالية تاريخية، بل تمنح الدولة مساحة أكبر للتخطيط الاقتصادي، وجذب الاستثمار، والحصول على تمويل بشروط أفضل، وتوجيه الموارد نحو القطاعات التي يحتاج إليها المجتمع.
إن بناء الدولة لا يتم بالخطاب السياسي وحده؛ فالاستقرار المالي والقدرة على إدارة الموارد يمثلان جزءًا أساسيًا من استقلال القرار الوطني.
الدبلوماسية.. صومال يستعيد موقعه
خلال الفترة نفسها، عملت مقديشو على توسيع علاقاتها وشراكاتها الدولية والإقليمية، وتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، بما في ذلك العضوية في مجموعة شرق أفريقيا والانتخاب لعضوية مجلس الأمن الدولي.
كما تطورت الشراكات الاستراتيجية للصومال مع عدد من الدول في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد والتنمية.
والأهم هنا أن السياسة الخارجية الصومالية أصبحت مرتبطة بصورة أكبر بمفهوم المصلحة الوطنية؛ أي أن الشراكات الدولية ينبغي أن تُقاس بما تقدمه للصومال من دعم لأمنه وسيادته واقتصاده وتنميته، وليس فقط بعدد الاتفاقيات الموقعة.
مراجعة الدستور.. بناء قواعد الدولة
لكن بناء الدولة لا يكتمل بالإصلاح الأمني والاقتصادي والدبلوماسي وحده.
فـمراجعة الدستور تمثل واحدة من أهم القضايا التي تحدد شكل الدولة الصومالية وعلاقة مؤسساتها ببعضها، وحدود صلاحيات الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، وطبيعة النظام السياسي والانتخابي.
ولهذا فإن استكمال المسار الدستوري ينبغي أن يقوم على الحوار والتوافق والمشاركة الواسعة، وأن تكون الغاية منه الوصول إلى دستور واضح وقابل للتطبيق، يحدد قواعد اللعبة السياسية ويقلل من مساحات الخلاف المؤسسي.
الدستور ليس وثيقة تخص النخب السياسية وحدها؛ بل هو العقد الذي ينظم علاقة المواطن بالدولة، ويحدد كيفية انتقال السلطة وممارسة الحكم وحماية الحقوق.
الانتخابات المباشرة.. المواطن في قلب الدولة
ومن أبرز التحولات التي ارتبطت بهذه المرحلة أيضًا الدفع باتجاه الانتخابات المباشرة ومبدأ صوت واحد لشخص واحد.
فقد ظل النظام الانتخابي غير المباشر لسنوات طويلة جزءًا من الواقع السياسي الصومالي، بينما يمثل الانتقال إلى الاقتراع المباشر محاولة لإعادة المواطن إلى مركز العملية السياسية، بحيث يكون الناخب هو صاحب القرار المباشر في اختيار ممثليه.
ولا ينبغي النظر إلى الانتخابات المباشرة باعتبارها مجرد إجراء انتخابي؛ فهي، إذا جرى تنظيمها بصورة نزيهة وشاملة وآمنة، يمكن أن تصبح إحدى الأدوات المهمة لتعزيز شرعية المؤسسات وتوسيع المشاركة السياسية وبناء ثقافة سياسية تتجاوز تدريجيًا منطق المحاصصة إلى منطق المواطنة.
وفي الوقت نفسه، فإن نجاح هذا المسار يتطلب توافقًا سياسيًا واسعًا، وضمانات انتخابية واضحة، ومؤسسات قادرة على إدارة العملية بصورة موثوقة، حتى تتحول الانتخابات من مصدر للخلاف إلى وسيلة لتعزيز الاستقرار.
الوحدة السياسية شرط للنجاح
ربما يكون الدرس الأهم خلال السنوات الأربع الماضية أن الصومال لا يستطيع تحقيق أهدافه الاستراتيجية في ظل انقسام دائم بين مؤسسات الدولة.
فالخلاف السياسي أمر طبيعي في أي نظام ديمقراطي، لكن المطلوب هو أن تبقى المنافسة السياسية داخل إطار الدستور والمؤسسات، وألا تتحول الاختلافات إلى صراع يضعف الدولة أو يهدد وحدتها.
وهنا تبرز أهمية استمرار التنسيق بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء، ليس باعتباره توافقًا شخصيًا بين رجلين، وإنما باعتباره تعاونًا بين مؤسستين دستوريتين يفترض أن تعملَا في إطار واحد لخدمة الدولة والمصلحة الوطنية.
ما بعد 2026.. من الإنجازات إلى الاستدامة
بعد أربع سنوات من العمل، يواجه الصومال سؤالًا أكبر من مجرد حصر الإنجازات: كيف يمكن تحويل ما تحقق إلى مؤسسات وسياسات مستدامة لا ترتبط بالأشخاص؟
هذه هي المرحلة الأصعب.
فالإعفاء من الديون يجب أن يتحول إلى إدارة مالية أكثر كفاءة. والتقدم الأمني يجب أن يتحول إلى جيش وطني أكثر قدرة. والعلاقات الدولية يجب أن تتحول إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية طويلة الأمد. ومراجعة الدستور يجب أن تنتهي إلى قواعد واضحة ومستقرة. والانتخابات المباشرة يجب أن تتطور إلى ممارسة ديمقراطية منتظمة وموثوقة.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التعاون بين الرئيس حسن شيخ محمود ورئيس الوزراء حمزة عبدي بري خلال الفترة 2022–2026: ليس في اعتبار المرحلة نهاية الطريق، بل في جعلها مرحلة تأسيسية لمرحلة جديدة من بناء الدولة.
الخاتمة
الصومال اليوم ليس الصومال الذي كان عليه في بداية العقد الماضي. لقد قطعت الدولة خطوات في الأمن، والاقتصاد، والدبلوماسية، وبناء المؤسسات، والإصلاح الدستوري، والمسار الانتخابي.
لكن الطريق لا يزال طويلًا.
وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من الفترة بين 2022 و2026، فهو أن قوة الدولة تبدأ من وحدة مؤسساتها، وأن السيادة تحتاج إلى مؤسسات، والمؤسسات تحتاج إلى دستور، والدستور يحتاج إلى توافق، والديمقراطية تحتاج إلى انتخابات، والتنمية تحتاج إلى الاستقرار.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الصومال ليس فقط الحفاظ على ما تحقق، وإنما البناء عليه؛ حتى تصبح المكاسب الاستراتيجية التي تحققت خلال السنوات الأربع جزءًا ثابتًا من مسار دولة صومالية مستقرة، ديمقراطية، ذات سيادة، وقادرة على حماية مصالحها الوطنية.
الصومال لا يحتاج إلى بداية جديدة في كل مرحلة؛ بل يحتاج إلى استمرارية في بناء الدولة، وتراكم في الإنجاز، وتوافق على المصلحة الوطنية.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا