يمثل علماء عاصمة الصومال مقديشو واجهة العلماء ومنارة الفقهاء ونجوم العلم والدعوة ، إذ تضم في جنباتها أكثر عدد من العلماء بمشاربهم المختلفة ومدارسهم المتنوعة من الصوفية والسلفية والإخوانية ، كما يتوافر لهم من الإمكانيات المادية والمعنوية والجماهيرية لا يتوافر لغيرهم من علماء ودعاة الأقاليم الأخرى.
ولذلك فإن مسؤوليتهم كبيرة وحملهم ثقيل وما ينتظر منهم ويؤمل فيهم قد يفوق أحيانا قدراتهم وإمكاناتهم ، ومع ذلك فإنهم إذ بدلوا ما في وسعهم ولم يدخروا جهدا في خدمة الدين والمجتمع ، حفّ اللوم الموجه إليهم ، وعذرهم الناس فيما عجزوا عنه وقصروا فيه.
أما الواقع الذي يتعاملون معه ويعيشون في ظله ، فهو وضع غير طبيعي لا يسمح لهم بالتحرك بحرية كاملة لأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وأمنية، والأسوء من ذلك أن النظام القائم المحسوب على التيار الإسلامي يتعامل بصورة لا تليق بهم ، بل يسعى – في نظر كثيرين – إلى توظيفهم لخدمة بعض سياساته وتمرير مشاريعه ، دون الاستجابة الكافية للمطالب العامة التي قد يطرحها العلماء والدعاة .
ويكمن الخلل الحقيقي الذي جعل علماء ودعاة مدينة مقديشو دون مستوى التطلعات المعقودة عليهم ، جملة من العوامل والمؤثرات، ومنها : الفرقة والتنافر الأيديولوجي والاختلاف في كيفية التعامل مع السلطة القائمة والانشغال بسياسة عقيمة والفتور الدعوي وضيق دائرة الاهتمام بالمصلحة العامة ، واليأس من إمكانية الإصلاح ، والتأقلم مع الواقع الراهن بدل السعي إلى المساهمة في ايجاد نظام يلبي قدرا مقبولا من حاجات المجتمع وغير ذلك من التحديات.
وأما اهتمامات التيارات الدينية فئ مقديشو مختلفة جدا بحيث يبدو أن كل حركة لها رؤيتها الخاصة في التعامل مع الوضع القائم ، فمثلا : التيار الصوفي مشغول بنشر أدبياته وعدم التعاطي بالسياسة كلية إلا أفراد قليلون يجاهرون بإبداء آرائهم السياسية سلبا أو إيجابا.
وأما التيار السلفي الرافض للتنظيمات الدعوية يبدوا أنه لا يعطى إهتماما يذكر في السياسة ولا يبدي رأيه في الشأن العام علانية ، بل ينحصر دوره في حلقات العلم والندوات والمؤتمرات .
وأما حركة الإصلاح فيبدوا في نظر بعض المتابعين أن جل اهتمامها في السنوات الأخيرة اتجه إلى العمل السياسي والنخبوي ، أكثر من اهتمامها بالعمل الدعوي . ما جعل بتراجع حضورها في الساحة الدعوية .
وأما فرع جماعة الاعتصام في مقديشو قد تراجع نشاطه الدعوي بصورة ملحوظة ، في وقت تبنت الحركة الأم قرارا رسميا يتمثل في تأسيس حزب سياسي وعينت أعضاء في قيادته ، وفتحت له مقرا في مقديشو دون إعلان رسمي .
كما لا يزال من غير الواضح كيف تتعامل الحركة مع عدد من منتسبيها يتزعمونه أحزابا سياسية خاصة بهم .
وأخيرا لم يستطع علماء مقديشو استثمار الكم الهائل من المبادئ والقيم والأهداف التى تجمعهم ولا تفرقهم ، بحيث تكون كلمتهم مسموعة ، ومواقفهم مقدرة ، ووجودهم مرحبا به بين مختلف أطياف المجتمع الصومالي .
فنجاح علماء ودعاة مقديشو نجاح للجميع، وفشلهم يمثل نقطة سوداء في جبين الدعوة والدعاة معا .
ولكي يستعيد علماء مقديشو دورهم القيادي، ويحققوا قدراً أكبر من النجاح ، ينبغي لهم أن يتداعوا إلى تأسيس ميثاق شرف دعوي يتجاوز الانتماءات الحزبية ، والفروق الفرعية ، والحظوظ النفسية ، لتتكامل الصفوف ، وتقوى المواقف تجاه القضايا الكبرى للأمة، ليستعيد الشعب الصومالي مكانته المرموقة بين الأمم .
الدكتور/ عبدالباسط شيخ إبراهيم
يوم السبت ٢٠٢٦/٩/٢٦ م

