المعاناة الصامتة

المزيد للقراءة

“المعاناة الصامتة”

في هذه دقائقَ التي اكتب فيها، كان يفترض أن اتجهز لأعتلي منصة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة القاضي عياض في مدينة مراكش المغربية، لأشارك حضوريًا، إلى جانب نخبة من القامات التربوية في العالم العربي، في محاولة أكاديمية للإجابة عن سؤال العصر: القيم والتربية، من خلال ورقة علمية كانت من أكثر الأوراق شبهًا بي عند كتابتها؛ ورقة جمعت بين التربية مع علم النفس بالفكر الإسلامي.

أعددنا العدّة، وجُهّزت الضيافة، وأُرسل برنامج الندوة، وحُدّد الموعد، وقُطعت التذكرة مسبقاً، ولم يبقَ سوى أن يقول الجواز الأزرق كلمته الحاسمة. وقد قالها فعلًا؛ فأسقط كقطعة دينامو كل ما سبق من استعدادات، وأجهض الخطط التي اكتملت تفاصيلها، ودفع بجميع الجهود إلى سراب و كأن شيء لم يكن.

هذه الرحلة، وما تخللها من محاولات بذلتها وزارة الخارجية الصومالية وسفارتنا في المملكة المغربية، أعادتني مرة أخرى إلى معاناتين؛ أولاهما معاناة المواطن الصومالي العادي الذي لا يحمل سوى جواز بلاده، وهي معاناة لا يعيشها المسؤول الصومالي بالقدر ذاته، إذ أغلب المسؤولين يحملون جوازات أجنبية أو دبلوماسية تمنحهم امتيازات تحجب عنهم جانبًا من المعاناة التي يواجهها المواطن كلما أراد عبور الحدود.

ثانيًا: معاناة الباحث في الدولة غير المستقرة، حين يسعى إلى أن يكون جزءًا من إنتاج المعرفة الإنسانية. ولفهم هذه المعاناة الصامتة، يمكن الاستئناس بدراسة علمية مهمة نشرتها كلية الحقوق بجامعة كوبنهاغن الدنماركية، أعدّها الباحثان ميرت جانغونول وإزجي يلديز، وتناولت أوضاع الباحثين الحاملين لجوازات سفر دول الجنوب العالمي. وتكشف هذه الورقة العلمية أن الجوازات الضعيفة لا تمثل لحامليها مجرد إزعاج لوجستي عابر، او  خسارة فردية، بل هي تمثل لهم خسارة معرفية لمجتمعات كاملة، عرقل جوزاهم من الاستماع  لأفكارهم واحترام انتاجاتهم المعرفية.

إلى جانب كل ذلك، فإن المعاناة الصامتة الحقيقية بحق للجواز الازرق، هي أن الجميع يرى معاناة المواطن، ومع ذلك يُترك منفردًا بمشكلة تتجاوز قدرته ،وتصبح معانته مشهدًا مألوفًا يتعاطف معه الجميع، دون أن يتحول هذا التعاطف إلى جهد جماعي يغيّر الواقع.
د. فاطمة حوش.
21/10/2026

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

فاطمة محمد حوش
فاطمة محمد حوش
كاتبة ومتخصصة في التربية

Share

اقرأ هذا أيضًا