مرحبًا بذكريات القديمة

المزيد للقراءة

مرحبًا بذكريات القديمة!

ليس بالأمر الهيّن أن يقتنع القارئ غير الصومالي بأنّ الحرب المحمومة التي شنّها ترامب ومساعدوه، لمنع فوز إلهان وزملائها من أصول صومالية بمقاعد في الكونغرس والمجالس التشريعية الأمريكية، إنها لم تكن مجرّد عنصرية أو منافسة سياسية. وإنما هي امتداد لتبعات صدمةٍ قديمة حذّر منها السيناتور جون كيري عام 1993م، في خطابٍ موثّق رسميًا في سجلات الكونغرس ومرجعٍ للأبحاث الأكاديمية، حين طلب بكل احترام من أصدقائه ألّا يصنعوا “متلازمة الصومال” (Somalia Syndrome)، بعد أن أمضوا عشرين عامًا في محاولة التخلص من “متلازمة فيتنام”. ويبدو أنّ ترامب ومحبيه من ضحايا هذه المتلازمة ، لكن ما هذه المتلازمة؟

وفي كتاب للصحفي مارك بودن بعنوان “سقوط الصقر الأسود”، الذي يُعدّ من أبرز المراجع — إلى جانب ثمانين مرجعًا آخر — التي توثّق لهذه المتلازمة التي نشأت من الصدمة التي تلقّاها الجمهور الأمريكي وصانعو سياستها من مشاهدة قتل وسحل ثمانية عشر جنديًا أمريكيًا في شوارع العاصمة الصومالية، خلال معركة مقديشو الشهيرة عام 1993م.

ومن تبعات هذه المشاهد أنها أسّست ما يُعرف بـ”عقدة مقديشو”, التي رسّخت الخوف عند القيادة السياسية والعسكرية الأمريكية من الانخراط في أي تدخّل إنساني أو عسكري دولي دون معرفة مسبقة ببنية المجتمع المحلي. فقد أدرك الطرف الأمريكي في هذه المعركة جانبًا معقّدًا من سيكولوجية المقاتل الصومالي حين يُستفزّ؛ وهو الجانب الذي تجلّى بوضوح في الانتخابات النصفية الأمريكية الأخيرة.

وهذه السيكولوجية هي الطبيعة الندّية المطلقة للإنسان الصومالي. وبفضلها، يمتلك الصومالي قدرات هائلة، ومرونة، وذكاءً تكتيكيًا؛ تجعله — حين يستشعر بحسّه الغريزي الرافض للفوقية والإخضاع — يدخل في تحالفات عشائرية براغماتية متغيّرة، ويتبنّى في الوقت نفسه خطابًا وطنيًا جامعًا. وقد تبدو هذه التحالفات للناظر الخارجي متناقضة أو غير ممكنة، لكنّه «هو» يراها طبيعية إذا غدت المعركة مسألة «نكون أو لا نكون»؛ ومن أجل ذلك يتحالف مع خصم الأمس بلا إكراه. وبهذه الطبيعة، صمد قديمًا أمام الغزاة الذين يفوقونه عددًا، ثم هزم لاحقاً التفوق العسكري والتكنولوجي للجيش الأمريكي، وانتصر أخيرًا على ثكنة ترامب المجنونة. فمرحبًا بذكرياتي القديمة!
د. فاطمة حوش.
4/11/2026

LEAVE A REPLY

Please enter your comment!
Please enter your name here

فاطمة محمد حوش
فاطمة محمد حوش
كاتبة ومتخصصة في التربية

Share

اقرأ هذا أيضًا