إيران أمام لحظة الحقيقة: بين منطق القوة وخيارات البقاء

المزيد للقراءة

إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وجود قنوات حوار جارية مع إيران لا يمكن قراءته بوصفه خطوة دبلوماسية معزولة، بل هو مؤشر على دخول العلاقة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة تُحكمها موازين القوة أكثر من منطق التفاهم المتكافئ.

فالتوقيت، والسياق الإقليمي، والظروف الداخلية والخارجية التي تمر بها إيران، كلها تشير إلى أن طهران تفاوض اليوم من موقع ضعف غير مسبوق.
على مدى سنوات طويلة، خضعت إيران لعقوبات اقتصادية قاسية استهدفت شرايينها المالية وقطاعاتها الحيوية، وعلى رأسها النفط والطاقة. هذه العقوبات لم تعد مجرد ضغط اقتصادي، بل تحولت إلى أداة إنهاك استراتيجي طويل الأمد، حدّ من قدرة الدولة على المناورة، وأضعف تماسكها الداخلي، وقلّص من قدرتها على تمويل نفوذها الإقليمي.
إلى جانب ذلك، شهدت إيران خلال السنوات الأخيرة سلسلة من الضربات النوعية التي طالت قيادات سياسية وعسكرية، في رسائل أمنية واضحة مفادها أن العمق الإيراني لم يعد بمنأى عن الاستهداف.

وترافق هذا مع نزيف عسكري متواصل، خصوصًا خلال عام 2025، سواء عبر مواجهات مباشرة أو عبر استنزاف أذرعها الإقليمية.
إقليميًا، فقدت إيران جزءًا مهمًا من شبكة تحالفاتها. فالدور السوري تراجع بشكل استراتيجي، ولم يعد يشكّل العمق الاستراتيجي الذي كان عليه سابقًا، بينما تعرّضت قوى أخرى محسوبة على طهران لضغوط عسكرية وسياسية أفقدتها القدرة على المبادرة، وحوّلتها إلى أطراف دفاعية. وبهذا، وجدت إيران نفسها شبه معزولة، بلا حلفاء أقوياء قادرين على تغيير قواعد اللعبة.
وفي المقابل، صعّدت الولايات المتحدة من أدوات الضغط، ليس فقط عبر العقوبات، بل من خلال إعادة ترتيب سوق الطاقة العالمية بطريقة تُضيّق الخناق على النفط الإيراني، وتحدّ من قدرته على الوصول إلى الأسواق.

كما عززت واشنطن حضورها العسكري في مناطق قريبة من المجال الإيراني، في استعراض قوة لا يهدف بالضرورة إلى الحرب، بقدر ما يهدف إلى فرض شروط التفاوض.
أمام هذه المعطيات، تجد إيران نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الذهاب إلى مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة، وهي مواجهة تعرف مسبقًا كلفتها العالية ونتائجها غير المضمونة، أو القبول بتسوية سياسية تُفرض وفق ميزان القوة القائم، وتؤدي عمليًا إلى تقليص نفوذها الإقليمي وإعادة ضبط سلوكها السياسي.
غير أن جوهر المسألة لا يتعلق فقط بملف نووي أو عقوبات اقتصادية، بل بإعادة صياغة الدور الإيراني نفسه في الإقليم.

فالتسوية المحتملة قد تفتح الباب أمام تغييرات عميقة في بنية القرار داخل طهران، وربما صعود قيادة أكثر براغماتية وأقل تصادمية، أو على الأقل قيادة مضطرة للتكيّف مع الإرادة الأمريكية.
إن ما تواجهه إيران اليوم ليس مجرد تفاوض سياسي، بل لحظة اختبار وجودي: إما إعادة تعريف الدولة ضمن النظام الدولي الجديد، أو الاستمرار في مسار الاستنزاف حتى تتآكل القدرة على القرار المستقل. وفي عالم تحكمه القوة، لا تُمنح الخيارات، بل تفرض.

عبد الرحمن سهل يوسف
عبد الرحمن سهل يوسف
مدير مركز الصومال لتحليل الأزمات

Share

اقرأ هذا أيضًا