البحر الأحمر بين منطق الشراكة وخطاب الجغرافيا القسرية.

المزيد للقراءة

البحر الأحمر بين منطق الشراكة وخطاب الجغرافيا القسرية.

أولاً: الإطار العام

شهدت الفترة الأخيرة تصاعداً في الخطاب السياسي الصادر عن آبي أحمد بشأن حق إثيوبيا في الوصول إلى منفذ بحري على البحر الأحمر، وهو خطاب طُرح في سياقات متعددة، من بينها اجتماعات الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا.
هذا الطرح أعاد فتح نقاش إقليمي حساس يتعلق بتوازنات السيادة، ومفهوم الأمن الاقتصادي، وآليات التكامل في القرن الأفريقي.

ثانياً: نقد المقاربة الإثيوبية الحالية
1. تحويل الحاجة الاقتصادية إلى مطلب جغرافي سيادي
إثيوبيا دولة غير ساحلية منذ 1993، وحاجتها إلى منافذ بحرية حاجة اقتصادية مشروعة حسب قولهم، غير أن تحويل هذه الحاجة إلى خطاب “حق جغرافي” يخلق توتراً سياسياً ويُضعف فرص الحلول التعاونية القائمة على الاتفاقيات التجارية واللوجستية.
2. ربط الأمن القومي بمنفذ بحري واحد
طرح الوصول إلى البحر بوصفه شرطاً للأمن القومي يختزل مفهوم الأمن في بعد جغرافي ضيق، بينما الأمن الاقتصادي الحديث يقوم على تنويع الممرات التجارية، والشراكات، والاستثمار في البنية التحتية العابرة للحدود.
3. إغفال نماذج التكامل الإقليمي الناجحة
التجارب الدولية تؤكد أن الدول غير الساحلية تحقق ازدهارها عبر اتفاقيات طويلة الأمد مع الدول الساحلية، دون الحاجة إلى ترتيبات تمس السيادة أو تُنتج توترات سياسية.
4. تأثير الخطاب على الاستقرار الإقليمي
الخطاب الذي يوحي بإعادة رسم موازين جغرافية أو البحث عن “منفذ خاص” يثير مخاوف مشروعة لدى دول المنطقة، ويهدد بتقويض الثقة في وقت تحتاج فيه المنطقة إلى مشاريع تكامل اقتصادي لا إلى تنافس جغرافي.

ثالثاً: المقاربة البديلة من الجغرافيا إلى الاقتصاد.

يمتلك الصومال أطول ساحل في أفريقيا، وهو ما يتيح إطاراً عملياً لتكامل اقتصادي حقيقي مع إثيوبيا عبر:
• اتفاقيات استخدام موانئ متوسطة أو طويلة الأمد بشروط تجارية واضحة
• تطوير ممرات لوجستية وسكك حديد وطرق تربط الداخل الإثيوبي بالموانئ الصومالية
• إنشاء مناطق حرة ومراكز تجارة عابرة للحدود
• شراكات في الطاقة والنقل البحري والخدمات اللوجستية.

هذه المقاربة تحقق لإثيوبيا منفذاً آمناً ومستداماً، وتمنح الصومال دوراً محورياً في الاقتصاد الإقليمي دون المساس بالسيادة.

رابعاً: الأبعاد القانونية والسيادية

القانون الدولي يضمن للدول غير الساحلية حق الوصول إلى البحر عبر ترتيبات تعاقدية، لكنه لا يمنح حقاً في الحصول على منفذ سيادي.
وبالتالي فإن أي طرح يتجاوز إطار الاتفاقيات الاقتصادية المتوازنة يُعد خروجاً عن الأعراف القانونية ويهدد بنزاعات إقليمية.

خامساً: أثر الخطاب على العلاقات الصومالية-الإثيوبية

العلاقات بين البلدين تاريخياً مركّبة، وهي اليوم بحاجة إلى:
• إعادة بناء الثقة
• فصل الخطاب السياسي عن المصالح الاقتصادية
• اعتماد لغة الشراكة بدلاً من لغة المطالب الجغرافية

فالتكامل الاقتصادي هو الضامن الحقيقي للاستقرار، وليس إعادة إنتاج تصورات الصراع على المنافذ.

سادساً: خلاصة .

إن مقاربة آبي أحمد الحالية، رغم انطلاقها من حاجة اقتصادية حقيقية، تعاني من ثلاث إشكالات رئيسية:
• تسييس الحاجة الاقتصادية وتحويلها إلى مطلب سيادي.
• اختزال الأمن القومي في منفذ بحري
• تجاهل فرص التكامل القائم على المنفعة المتبادلة

في المقابل، يمثل التعاون الاقتصادي مع الصومال المسار الأكثر واقعية واستقراراً لتحقيق مصالح إثيوبيا البحرية دون خلق توترات إقليمية.

المنفذ البحري لإثيوبيا يجب أن يكون مشروع شراكة اقتصادية، لا ملفاً جيوسياسياً.
الطريق إلى البحر يمر عبر الاتفاقيات والاستثمار والتكامل، لا عبر خطاب الجغرافيا القسرية.

عبدالعزيز نور عابي
عبدالعزيز نور عابي
باحث في العلوم السياسية

Share

اقرأ هذا أيضًا