إن عملية استعباد العقل وتعطيله تبدأ عندما يتم النظر إليه كصفحة بيضاء تنتظر الملأ والتعبئة من قبل الآخرين، ففرض المثل والمبادئ والقيم دون أن يناقش الفرد بشئ من اتجاهاته نوع آخر من الطغيان، أي طغيان أفكار الآخرين على حرية عقول الأفراد، ففي هذا السيناريو الاستعبادي التقليدي، لا يوجد -لدي هذا العقل الإنساني- خيار آخر، فإما أن يقبل بما يتم تلقينه أو يتحمل العزل والطرد من المجتمع!.
فلا مجال لأعمال العقل، فقط علبنا أن نضع عقولنا في إحدى ثلاجات التاريخ ونلهث وراء الأقوال والمنقولات، وإن هذه النمطية في التفكير والإيمان التقليدي وتسليم العقول هي التي طغت على الأمة في كل الميادين فأصبحت كئيبة المنظر والمخبر؛بحيث هزلت ملكة التفكير الحر في مناهجنا منذ مئات السنين، وهذه العقول فإذا حاولنا أن نوقظها -الآن- سنجدها لا تستطيع الحراك بسهولة…
فحرية العقل الإنساني مهمة بالنسبة للأفراد، لأن خلو هذا العقل من جميع أنواع العوائق والمقيدات والسلاسل الفكرية التي يمكن أن تسجن أو تكبت أو تمنع هذا العقل من امتلاك أفكار أو طرق تفكير أو إدراك خاصة به، هي من أساسيات وبديهيات وجود الإنسان على الأرض، أي بمعني آخر، حرية العقل هي أول شيء يمتلكه الإنسان، فهي، حتى قبل اختراع مبدأ الملكية، أتت بديهية مع ظهور الإنسان! وفقدان هذه الملكية الأساسية اي( حرية العقل )هو بداية طريق الاستعباد.
تحرير العقل بمنظور إسلامي..
من الدعائم الاساسية في الاسلام تحرير الإنسان من أغلال الحجر العقلي، وسيطرة التبعية العمياء، وتربيته على حرية الفكر واستغلال الإرادة، ليكمل بذلك عقله ويستقيم تفكيره، وتكتمل له شخصيته وإنسانيته، فإن كمال العقل واستقامة التفكير واستقلال الإرادة، هي أساس صحة العقائد واستقامة التدين ومعرفة الحق الذي يجب أن يتبع، ومعرفة الباطل الذي يجب أن يتجنب!.
وقد عني الإسلام ببناء هذه الدعامة عناية كبرى بحيث جعل البرهان أساس الإيمان الصادق والعقيدة الصحيحة والدلالة القيمة إلا أن بعض القادة الدينيين انحرفوا عن العهود والمواثيق الدينية فحرموا التفكير وانتحلوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم اما لإرضاء ذي سلطان او أهواء او بمصالح شخصية فاحتلو عقول الناس باسم الشرع ونجد فتاوى تصدر وآخرى تلغى وتلاعب بالعقول و تاجرو بالدين في أخطر تجارة عالميه فاسدة!، ولا ينبغي للمسلم أن يلغي عقله ليجري على املاءات أصحاب السلطة الدينية ولا ينبغي أن يلغي عقله خنوعاً لمن يسخره باسم الدين، أو رهبة من بطش الأقوياء وطغيان الأشداء..
تحرير العقل من التبعية العمياء..
التبعية أو التقليد هو قبول قول الغير أو فعله من غير حجة، وهو يختلف عن القدوة التي هي أن يقتدي الفرد بآخر في سلوكه ومنهجه بغير تقمص ولا تعصب وبدون تسليم عقله وتفكيره والتبعية العمياء في المجتمع تؤثر سلبيا لتقدمه العلمي أو الحضاري، وإذا تغلغلت فيه هذه الأفكار العقيمة الفارغة أصابه الخمول والعجز وسلم نفسه لغيره اذن فأول طريق الى الحضارة تحرير العقل عن كل مايصده ويعيق عمله ولو نظرنا الى التقليد بكل إنصاف فلا نرضى له وجودا في الحياة المعاصرة . لأنه لا يجعل منك شخصا مواكبا لعصره، بل يصنع منك دمية بلا تفكير ولا مبدأ ترتكز عليه وهو داء العصر وعائق الحضارة فنجد المقلدون مجرد أجساد بلا رؤوس ..
التقليد من منظور النفسي او السيكولوجي ..
فالعقل التابع لا يبدع بل يقلد غيره، وبالتالي يستهلك دون أن ينتج، و المقلد يعاني من النقص وعدم الثقة بالذات. ولايمكن أن يحقق ذاته وأن يرضى من خلال أعماله العادية وسلوكه واستقلاليته وانتاجه الفكري والفني. وهز قلق مضطرب وغير مستقر ويبحث عن ذاته من خلال الآخرين فقط.. ولا يمكن أن ينظر في أعماقه ليكتشف مواطن القوة والضعف، بل يميل إلى التفكير السطحي والكسب السريع والإطراء من الآخرين والتقليد عند علماء النفس يعتبر سلوك سويا في مراحل العمرية الأولى عند الإنسان حيث نجد ان مراحل الطفولة تتميز بالمحاكاة والتقليد فالطفل يقلد الكبار منه في كل شي حتى يصل الى مرحلة نضج وتمييز وينمو عقله ويستغنى عن المحاكاة والتبعية للآخرين فيصل مرحلة الاستقلال الذاتي بعد ذلك يكون التقليد سلوك غير سوي في بقية المراحل العمرية.. فالتقليد عند الكبار يكون مرض نفسي وشخصية مضطربة ناقصة ذاتيا او ذو نزعة صبيانية غير ناضجة
وفي الختام لابد من نزع القداسة المزيفة والتقليد الأعمى وتنقية العقل من أجل الترقية والذهنية المعاصرة فليس هناك ما يستحق التقديس سوى المبادئ السامية والقيم الرفيعة فالأشخاص ليسو مقدسين ونظرتنا إلى التاريخ يجب ان لا تكون مقدسة بالكل، وينبغي أن نستحضر الماضي بمافي فاعلية مؤثرة في الحاضر وبالمقدار الذي يكون لنا عونا على فهم أنفسنا وهويتنا ومصادر القوة وعناوين الضعف والخلل وبالمقدار الذي يجلي الحقائق ولا يلبسها، ولا يزيفها ولا يرفعها إلى فوق مقتضيات الفحص الموضوعي ويجب أن نحارب التقليد طول زماننا وكل ما يقف أمام نهضتنا…
















