بعد سنوات من الفوضى الأمنية والانهيار المؤسساتي، دخلت العاصمة الصومالية مقديشو مرحلة جديدة من النهوض المدني، مع تعيين الجنرال يوسف حسين عثمان، المعروف بـ”مونغاب”، محافظًا لإقليم بنادر وعمدةً للعاصمة. مثّل هذا التعيين نقطة تحول في مسار المدينة التي كانت تئن تحت وطأة الحواجز الأمنية، وغياب الخدمات، وهيمنة العشوائية على تفاصيل الحياة اليومية.
خلفية المشهد: مقديشو ما قبل مونغاب
لعقود، ظلت مقديشو مثالًا حيًا للمدن المنهكة من ويلات الحروب والانقسامات السياسية. أحياء مقطعة الأوصال، طرق مغلقة بالحواجز الإسمنتية، انتشار السلاح، وتدهور تام في البنية التحتية. كانت العاصمة تبدو وكأنها مدينة خارجة من ركام الزلازل لا الحروب فقط.
الشكوى الأكبر التي ظلت تتردد على ألسنة السكان تمثلت في غياب الدولة بمظاهرها المدنية، ووجودها فقط كقوة أمنية أو سلطة جباية.
بداية التحول: حين دخل مونغاب المشهد
بتولي الجنرال مونغاب المنصب في لحظة فارقة، انطلقت حزمة من الإجراءات التي حملت طابعًا إصلاحيًا حقيقيًا، بعيدًا عن الشعارات السياسية أو الدعاية الشكلية. بدأ الرجل، بخلفيته الأمنية والعسكرية، في استعادة المدينة من الفوضى إلى النظام، ومن الانغلاق إلى الانفتاح.
أولى خطواته كانت فتح الطرق المغلقة منذ سنوات، والتي كانت تُغلق بذريعة الأمن، ولكنها تحولت لاحقًا إلى أدوات تحكم وعقاب جماعي. تمّت إزالة الحواجز الإسمنتية، واستُعيدت حرية التنقل داخل المدينة، وهو ما قوبل بترحيب واسع من السكان.
النظام الضريبي: من جباية قسرية إلى خدمة عامة
أعاد الجنرال مونغاب هيكلة النظام الضريبي في العاصمة، إذ كانت الضرائب تُجمع في السابق دون وجود مقابل خدمي ملموس. تحت قيادته، بدأ المواطن يلحظ أثر ما يدفعه من ضرائب في صورة خدمات عامة، كتعبيد الطرق، وتحسين النظافة، وتوفير الحد الأدنى من البنى التحتية.
وشهدت فترة ولايته شفافية أعلى في إدارة الموارد، حيث تم ربط الإيرادات بمشاريع تنموية ملموسة، في خطوة غير مسبوقة في تاريخ إدارة العاصمة.
تفكيك ثقافة القمع: وداعًا للعصا
أحد أبرز معالم التغيير كان القضاء على الممارسات القمعية التي كانت تُمارس في الشوارع، ومنها عادة “الباكورة” أو الضرب بالعصي. هذه الممارسة التي أصبحت رمزًا للتعسف، تم إيقافها تمامًا، وأُعطيت التعليمات للأجهزة الأمنية بالعمل وفق القانون واحترام كرامة المواطنين.
وقد انعكس هذا التحول على الحالة النفسية العامة في مقديشو، حيث بدأ الناس يشعرون بشيء من الأمان الشخصي، والثقة في أن الدولة بدأت تُعيد تعريف علاقتها بالمواطن.
البنية التحتية: أموال الشعب تعود إليه
بفضل الموارد التي أعيد توجيهها نحو الخدمة العامة، أطلقت إدارة مونغاب مشاريع لإصلاح الطرق، وإنشاء بنى تحتية خدمية، في رسالة مفادها أن الدولة التي تحترم شعبها تُترجم الضرائب إلى خدمات، لا إلى جيوب النخب.
وقد مثّلت هذه الخطوة تطورًا نادرًا في السياق الصومالي، حيث اعتاد المواطن أن يدفع دون أن يتلقى شيئًا بالمقابل، أو أن يرى مشاريعه تُنهب أو تتعثر بسبب الفساد.
القيادة والرمزية: مونغاب كوجه للنهضة المدنية
لم يكن الجنرال مونغاب مجرد إداري يؤدي مهامه اليومية، بل تحول إلى رمز لمرحلة جديدة تتسم بالإصلاح والانضباط المدني. علاقته الجيدة بالمواطن، وحزمه في فرض النظام، جعلاه يحظى بثقة العامة، وحتى من خصومه السياسيين الذين أقروا بأنه أحدث نقلة نوعية في إدارة مقديشو.
وقد حافظ مونغاب على علاقة تنسيقية وثيقة مع القيادة الفيدرالية، وعلى رأسها الرئيس حسن شيخ محمود، الذي دعمه في تنفيذ سياسات تنموية طموحة، ووفّر له الغطاء السياسي الكافي للقيام بمهامه.
الرسالة الأوسع: نموذج قابل للتكرار؟
إن تجربة الجنرال مونغاب في مقديشو لم تكن فقط نجاحًا إداريًا محدودًا، بل قدّمت نموذجًا يُحتذى به في بقية المحافظات، بأن الإدارة الراشدة قادرة على إحداث الفرق، حتى في أكثر البيئات تعقيدًا.
لقد أثبتت هذه التجربة أن التغيير لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى إرادة سياسية، وشفافية في إدارة المال العام، واحترام كرامة المواطن.
خاتمة: من السياسة إلى الخدمة العامة
في زمن تتداخل فيه السياسة مع المصالح الضيقة، وتغيب فيه الرؤية عن كثير من مسؤولي الإدارة المحلية، جاء الجنرال مونغاب ليقول إن الخدمة العامة الصادقة قادرة على إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
وقد تكون مقديشو، اليوم، مدينة لا تزال تواجه تحديات كبيرة، لكن تجربتها مع مونغاب تمثل بارقة أمل، ونقطة انطلاق نحو غدٍ مدني أكثر إشراقًا.















