حينما تضعف الأمم وتفقد ثقتها في نفسها تصبح مطية لكل من هب ودب من شياطين الانس والجن، وانتشار ظاهرة حلول الجن في الانسان من هذا الباب. وقديما تساءل الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله – هل العفاريت متخصصة في ركوب المسلمين ولماذا لا نرى ألمانيا او يابانيا يشكو من ذلك؟
إن الاسلام حارب الخرافات والشعوذة وأعاد للإنسان كرامته وجعله خليفته في الارض وأناط به تعمير الكون وزوده بكل ما يمكن له من حمل هذه الأمانة الثقيلة مسخرا له كل ما في السموات والارض من اجل اكتشاف سَنَن الله وقوانينه في الكون وتسخير ذلك كله لخدمة الانسان، وهل يصح عقلا وشرعا بعد كل هذا ان يصبح الانسان مطية للأرواح الشريرة ويدخل الجنى في جسد الانسان ليختطف ارادته ويتحكم في حركاته وسكناته وبتكلم بلسانه.
لا أحد ينكر بوجود الجن، وقد تحدث القران عنه، ولكن الاشكالية هنا هي العلاقة بين الجن والإنسان وهل للجن القدرة على دخول جسد الانسان واحتلاله؟ لقد أوضح القران في مواطن كثيرة ان تأثير الجن في الانسان لا يتجاوز الوسوسة وتزيين الباطل والقاء الشكوك والاوهام في النفوس الضعيفة وليس له سلطان غير ذلك على المؤمنين ( وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا).
وقد انتشرت ظاهرة دخول الجن للإنسان في المجتمعات الاسلامية ومنها مجتمعنا الصومالي انتشار النار في الهشيم، وقد ساءني مشهد متداول في وسائل التواصل الاجتماعي فى الأشهر الماضية من لقطات فيديو يظهر فيها احد هولاء المشعوذين في مدينة من مدن شمال الصومال وقد جمع أعدادا غفيرة من النساء مدعيا انه يخرج الجن منهن وهو يرش عليهن بالماء مستخدما الأنابيب. وهذا- لعمري- إهانة لكرامة الانسان واستخفاف لعقول امهاتنا وبناتنا، ولا بد لهذا العبث ان يتوقف.
واذكر وانا طفل يتعلم القران، وفِي يوم من الأيام اخذنا كل ما بقي من العصى وذهبنا الى بيت احد جيراننا وعندما دخلنا البيت راينا ولدا جالسا وحوله أقاربه وقالوا لنا ان ولدهم مسكون بالجن ويريدون منا إخراجه وبدأنا نقرا القران ونضرب الولد المسكين ونحن نظن اننا نضرب الجن، وما زلت اشعر بالذنب كلما اذكر هذه الحادثة،وهذا الرجل اليوم حي يرزق لا يسكنه جن ولا أنس وهو أقوى منى ومن كل هولاء الذين يضربونه، وكلما أراه اشعر انني مدين له بالاعتذار ولا يمنعني من ذلك الا الخوف من اثارة حدث اليم مر علي الرجل في حياته ونسيها وربما لا يرغب في تذكرها.
ولا شك أن الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والانحطاط الفكري له دور ايضا في انتشار الشعوذة والخرافات. فحينما تنسد الآفاق امام المجتمع وينتشر الظلم ويسود عليه الياس والاحباط فلا يجد متنفسا لذلك الا اللجوء الى عالم الخرافات والشعوذة فتلقى بضائع الدجالين والمحتالين رواجا وقبولًا لدى المجتمعات المقهورة والمسلوبة الإرادة. فالجن الحقيقي الذي يسكن المسلمين اليوم ليسوا العفاريت وانما هو جن المستبدين والطغاة، واذا رفعوا عنهم هولاء الطغاة فلا شك ان الجن سيرحل معهم وتختفي معها حكايات الأرواح الشريرة.
وقد كانت ظواهر ركوب الجن والأرواح الشريرة شائعة في أوربا ايضا في العصور الوسطى المظلمة قبل ان يكتسح العلم والتنوير وحطم اصنام تلك الخرافات والشعوذة وأطلق الانسان الأوربي حرا من قيود الشياطين مما ممكن له من قهر الطبيعة وتسخيرها لخدمته واختفت الخرافات والشعوذة تماما وأصبح الحني نفسه مسخرا للإنسان الأوربي يركبه في أقطار السموات والأرض. والمفارقة ان المسلمين بعد ان حررهم الاسلام من الخرافات في العصور الوسطى وأطلق طاقاتهم الإبداعية وجابوا في مشارق الارض ومغاربها وأنشأوا حضارة إنسانية عظيمة، بداوا في عصور الانحطاط يرتدون على أعقابهم ويحنون الى جاهليتهم ويركنون الى الشعوذة والارواح الشريرة للتملص من حمل الأمانة الملقاة على عاتقهم.
وقد تحدث المفكر الاسلامي مالك بن نبي قديما عن ظاهرة القابلية للاستعمار لدى المسلمين ولكن هناك ايضا ظاهرة القابلية لركوب الجن لان الجن لا يركب الا المجتمعات التي لها استعداد نفسي وعقلي لهذا الركوب. لقد قلنا ان هذه الطاهرة منتشرة في المجتمعات الضعيفة ولكن لا حظنا ايضا انها في داخل هذه المجتمعات يكون النساء والأطفال أكثر ضحاياها، لان النساء خاصة في مجتمعاتنا يتعرضن للظلم والتمييز اكثر مما يتعرض له الرجال، فلا غرو ان يكن اكثر من يقع في شباك هؤلاء الدجالين الذين ياكلون أموالهن بالباطل فتخسر المرأة مالها وقد تخسر ايضا عرضها وشرفها في أيدي هؤلاء العابثين.
وكان لي قصة طريفة في هذ الموضوع، في التسعينات وفي ليلة من الليالي، كنت أنا وصديقي الذي يشاركني في الغرفة في مسكّن الجامعة في ليبيا نتأهب للنوم وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حول موضوع دخول الجن في جسم الانسان فأنكرت ذلك إنكارا شديدا ثم اخذنا في النوم فكلما احاول الاستغراق في النوم ارى ما يراه النائم وقد أحاطت بسريري مجموعة من الأرواح الشريرة ويمسكونها من اطرافها الأربع وينزلونها ويضعونها في أسفل العمارة، وكانت غرفتي في الطابق الثالث او الرابع ثم ارفع سريري وأعيدها الى مكانها وتعود تلك الاشباح وتنزل سريري الى الارض وقضيت ليلتي كها بين إنزال ورفع وكل ذلك حاصل في اثناء النوم ولم اذق ليلتي راحة النوم فاستيقظت الصباح متعبا مهموما فأخبرت صاحبي ما حدث لي البارحة فضحك ضحكا شديدا وقال لي هذا هجوم من الجن وذلك جزاء إنكارك على قدرة الجن بالتسلط على الانسان. ومن لطف الله وفضله ان ذلك لم يزعزع إيمانى وازددت يقينا ان هذه ليست الا وسوسة من وساوس الشيطان.

