تمرّ اليوم خمسة وعشرون عامًا على انعقاد مؤتمر المصالحة الوطنية الصومالية في مدينة عرتا بجمهورية جيبوتي الشقيقة، ذلك المؤتمر التاريخي الذي شكّل نقطة التحول الكبرى في مسيرة استعادة الدولة الصومالية بعد سنواتٍ من الصراع والفراغ السياسي.
لقد كانت عرتا أكثر من مجرد مدينة احتضنت مؤتمرًا، بل كانت رمزًا للأمل، ومنطلقًا لولادة جديدة للدولة الصومالية الحديثة، ومرآةً لإرادة أمةٍ رفضت الاستسلام للفوضى.
في مثل هذا اليوم من عام 2000، وبفضل الجهود المخلصة التي قادها فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيله، وحكومة وشعب جيبوتي، وبتعاون من الشخصيات الوطنية الصومالية من مختلف الاتجاهات، أُسِّست الجمهورية الصومالية الثالثة، حيث وُضع الأساس لبرلمان يمثل الإرادة الشعبية، وحكومة تسعى لبسط النظام، ورئاسة تعمل على جمع الكلمة وتوحيد الصف.
ومنذ ذلك الحين، أخذت الصومال تخطو بثبات نحو استعادة مكانتها في المجتمع الدولي، حتى أصبحت اليوم تجلس بكل فخر على مقعد عضوية مجلس الأمن الدولي، بعد أن كانت غائبة عن الساحة العالمية لأعوام طويلة.
لقد علّمنا مؤتمر عرتا أن الوفاق الوطني ممكن، وأن الإرادة الصومالية حين تتوحّد يمكنها أن تصنع المعجزات.
ولا يمكن الحديث عن تلك المرحلة دون الإشادة بموقف جيبوتي الشجاع؛ لم تكتفِ باحتضان المؤتمر وتوفير الدعم السياسي، بل قدّمت دماء أبنائها الزكية في ميادين القتال من خلال قوات “هيل والاال” التي ساندت إخوتهم الصوماليين في حربهم ضد الإرهاب، ووقفت إلى جانبنا في أحلك الظروف.
الأخوة بين الصومال وجيبوتي ليست علاقة عابرة أو مصلحية، بل هي علاقة راسخة في الوجدان، لا تهزّها العواصف ولا تقطعها المصالح.
وأنا أستعيد ذكريات مشاركتي في مؤتمر عرتا، لا أنسى تلك اللحظات التي تجلّت فيها حكمة الرئيس إسماعيل عمر جيله وصبره وإيمانه بأن الصومال ستعود إلى الحياة.
حين أعلن أمام العالم أن “الصومال استعادت دولتَها”، كانت تلك الكلمات بمثابة شمسٍ أشرقت على أمةٍ أنهكها الليل الطويل، فأنارت طريقها نحو الاستقرار والنهضة.
اليوم، ونحن نواجه تحديات جسامًا، نخوض حربًا مصيرية ضد تنظيمَي داعش وحركة الشباب الإرهابيين، دفاعًا عن حق شعبنا في الأمن والحياة الكريمة.
وفي الوقت نفسه، نواصل بناء مؤسسات الدولة وترسيخ نظامٍ ديمقراطي يقوم على المشاركة والشفافية والمساءلة، ونعمل على تعزيز تعاوننا الإقليمي في منطقة القرن الإفريقي بما يخدم مصالح شعوبنا المشتركة.
إن هدفنا السياسي يتمثل في ترسيخ الاستقرار، وبناء مؤسسات شرعية قوية، والانتقال من سياسة العشائر والأفراد إلى سياسة المواطنة والدستور والقانون.
لقد حان الوقت لتحقيق وعدنا الوطني بإقرار دستور دائم، وإجراء انتخابات مباشرة تُمكّن كل مواطن صومالي من ممارسة حقه في الاختيار الحر.
وفي هذه الذكرى الخالدة، أوجّه رسالة صادقة إلى أبناء شعبنا في الداخل والخارج، إلى زعمائنا التقليديين، وساستنا، ورجال الأعمال، والمثقفين، والشباب، والنساء:
لقد أدّت جيبوتي دورها التاريخي بكل شرف، أما اليوم فإن مسؤولية البناء والتقدم تقع على عاتقنا نحن.
علينا أن نؤمن أن مستقبل الصومال لن يصنعه أحدٌ سوانا، وأن وحدة الصف والإرادة الوطنية هما الطريق الأوحد لعبور التحديات.
تقف الصومال اليوم على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، مرحلة تُكتب فيها فصول الأمل والثقة بالنفس.
ومن عرتا التي شهدت ميلاد دولتنا الحديثة، نستلهم الدرس الدائم:
“أن الأوطان تُبنى بالإيمان، والتضحيات، والعمل المشترك.”
الدكتور: حسن شيخ محمود
رئيس جمهورية الصومال الفيدرالية
















