الرئيسية » كتاب الشهر » الرحلة الذهبية في قراءة متون السادة الشافعية

الرحلة الذهبية في قراءة متون السادة الشافعية

مقديشو-قراءات

الرحلة الذهبية في قراءة متون السادة الشافعية
(سياحة فقهية في زمن كورنا فيرس)

من الصعب أن تفكّر برحلةٍ سياحيةٍ في ظلِ جائحةِ كورونا التي أُغلقت بسببها كل المطارات، وتوقّفت فيها حركةُ الطَيَران نهائياً، وأصعب منها أن تعزم المسيرَ وتقرّر المضيَّ قدماً لتحقيق حُلم العمرِ في عالمٍ يحرّم الخروج من المنزل ويعتبره جريمةً نكراءَ يُحاسِب عليها القانونُ أو يصنّفه مغامرةً غبيةً تستوجِب المساءلةَ، ماذا بإمكانك فعلُه وأنت تشاهد العالمَ من حولك قد انشغل بإجراءات العزل الصحي، وغَرِقَ في تدابيرِ الوقايةِ من وباءٍ يحصد أرواحَ الآلاف من الناس؟ توابيتُ ضحاياه تملأ المستشفيات، أسرابُ جنائزه تمرّ علينا يومياً، تمضي إلى قبورها دون أن تحظى بفرصةٍ تودّع فيها من تحبُّ! يا إلهي من ذا الذي يحدّد لنا كُنهَ هذا الكائن الغريب الذي لا تكاد تُدركه الأبصارُ أو تراه العيونُ؟ ما أشرَسَه من وحشٍ في افتراس الأحبة!! وما أقوى قلبَه عند ابتلاع لحومهم!!

عالمٌ بأسره هناك حائرٌ في شأنِ ميّتٍ مُمِيتٍ، فاغرٌ فاهُ مدهوش، جاثمٌ على ركبتيه ذليل، أسواقُه الماليةِ مَطليّة بالأحمر، ومسيرةُ الهبوطِ فيه مستمرة، مطاراتُه خاليةٌ من المسافرين، عواصمُه خاويةٌ على عروشها، ملاعب الرياضة فيه فارغةٌ من روّادها، معابدُه مهجورة، مساجدُه مغلقة، لقد خَرستْ المآذن يا هذا وانقطع صوتُ الإمام!! فهل يا ترى باءت كلُ محاولاتِ الاحتواءِ بالفشل؟ لِمَ لمْ تنجح أيٌّ منها رغمَ تسخيرِ جميعِ الإمكانيات للحد من خطورته؟

وهناك في المكان البعيد اشتدت كثافةُ الأنانيةِ بين العالم، وغلبت عليه غريزةُ البقاء، فافتضح أمرُه وانكشف حقدُه على نفسه، وتهاوت مصالحُه المشتركة أمامَ أعين الناظرين، وتهافتت نظريات التعاون والتضاعد المزعومة، وذهبت تحالفاتُه أدراجَ الرياح، فصارت الكمّاماتُ أعزَّ ما يَتنافس فيه، وأغلى ما يَتمنى الحصولَ عليه، فهل يا ترى خارتْ قوى القومِ أم انحصرتْ في صنعِ خرقةٍ ليحمي نفسه بها من وباء يجتاحه ويعبر قاراته دون إذنٍ مسبقٍ منه.

رغم هذا الحصار المُطبق على العالم، وإيقافِ حركةِ المرور فيه براً وبحراً وجواً لم تتأثر رحلتنا بإجراءاته المعقّدة، ولم يجرؤ أحدٌ منهم على إعاقتنا أو إلغاءِ رحلتنا، بل لم يستطعيوا الوقوفَ أمامَ وجهتنا السياحية، فانطلقت رحلتننا، ومن هنا بدأت حكايتنا٠

قبل ثمانين يوماً أعدَدْنا العُدّةَ لخوض مغامرةٍ خطيرةٍ في عالم السياحية الفقهية، فقدّمنا أوراقَنا فوراً إلى المكتبِ المختصِّ في شؤونِ السياحةِ، فطلب منّا الموظّفُ تعبئةَ استبيانٍ، قال بأنه يهدف إلى معرفة صبر السائح ومدى عزيمته، استلمنا منه، وقرأنا لوائحَ الرحلاتِ وأنظمتَها، وأدركنا ما يجب علينا فعلُه فيها، ثم وقّعنا أدناه موافقتَنا والتزامنا التّام بها، وقبل مغادرتنا لمكتبه استدعى مرشداً سياحياً اسمه #القواسمي وبيده رسالةٌ فيها تفاصيلُ الرحلةِ من ألفها إلى يائها، شرع في شرحها وأسهب في الحديث عن وصف وِجهتنا السياحية، فأبدع في تشويقنا إليها وتسويقِ فكرته وترويجِها له، ما زلت أتذكز تلك المجسّمات التي كانت بين يديه أثناء شرحه لنا وهو يشير إليها بيده: هكذا نشأوا، ومن هنا مَرّوا، وهناك استقرّوا، وثَمَّ انحسروا، وهنالك انتعشوا وازدهروا، كنا نصغي لحديثه ونطرب لسماعه، حيث كان يصوّر لنا المشاهد من أرض الأحلام كما هي، ويروي أخبارها طريّةً، وفي نهاية الجلسة وزّع علينا لوحاتٍ إرشاديةً ورموزاً غريبة، ثم أردف قائلاً: إنها مصطلحات لابد للسائح منها حتى لا يتيه أو يضيع.

نهضنا من مجلسنا ونحن نكاد نسابق أنفاسنا شوقا، وحملنا أمتعتنا على أكتافنا وسرنا خلفه مسترشدين به، في طريقنا إلى وجهتنا كنا نتساءل: هل هذا المرشد يظل معنا طيلة رحلتنا؟ أم يودّعنا عند وصولنا إلى محطة المغادرة؟ وما إن مرّت سويعات حتى استوقفنا على شاطئٍ مكتظ بسفن عملاقة، وقوارب صيد مختلفة، ثم قال: من هنا _ أيها الأحبة_ اعبروا، و #سفينةَ_النجاة” اركبوا، فهي أسرع وأسلم لكم من غيرها، ودّعناه رغم مرارة الفراق وعانقناه بإخلاص، ودعونا له بالخير.

تحركت السفينة باسم الله مجراها ومرساها، وانطلقت بسرعة مذهلة نحو وجهتنا تشقُّ عبابَ الماء، وقطبان السفية والقائد المتحكّم فيها نفث فينا روحَ الآمل ووعدنا بسلامة الوصول، لكن المتوقع _كما قالوا_ ارتطام السفينة بالأمواج أو البقاع الصخرية المرتفعة ولا يؤمن عبث الريح بها، وفرطُ سرعتها هذه ليست لصالحنا، لكونها سفينة صغيرة وليس بإمكانها تحدي تيارات الهواء المعاكسة، وفد تتلاطم الأمواج في أية لحظة وتقذف بنا في قاع البحر ، هكذا تنثال عليها خواطر الرعب، وتطول مدة الإبحار في نظرنا !! متى الوصول؟ وما ذلكم البريق الذي يلمع من بعيد؟ آه يبدوا أننا وصلنا إلى قصر #الغاية_والتقريب ما أجمله وأروعه!! ما أعظمه وأبهاه!!

_ هل يسمح للسائح أن يتجوّل فيه أو يلتقط صوراً تذكارية أمامه؟
_أجل ولنستفسر أكثر، ودعنا ننام الليلة هنا -على مقربة منه- فأنا أشعر بإرهاق شديد٠
_ متى نستيقظ ونتجوّل في القصر؟
_ قلتُ لك غداً نستفسر عن كل شيء يتعلق بالقصر!!
_ تصبح على خير
_ وأنت من أهله٠

استسلمنا لنوم عميق بعد رحلة شاقّة على عرض البحر ولم نفق إلا بعد ما صوّبت الشمس شعاعَها على عيوننا، ولسعت حرارتُها وجوهَنا، لملمنا ثيابنا، وتناولنا وجبة الفطور على عجالة، ثم دخلنا القصر نشاهد لوحاته الفنية وآخر إبداعات الإنسان في الهندسة المعمارية، وما خطته يده من بناء مُحْكم ترتيباً وتقسيماً، تجوّلنا فيه، وتعرّفنا سرّ إبداعات التي أودعت فيه، وما استشكل منه علينا سألنا دليلنا السياحي عنه #ماجد_الحموي فيجيبنا ويتحفنا بمعلوماته الدقيقة حوله، مرّت أيام ونحن على اندهاشة كبرى مما نشاهده من عجائب البناء وراوائع الفنون٠

في الصبح التالي شددنا رحلنا نحو وجهتنا بعد ما طبعت الشمس أولى قبلاتها على قصرنا بهدوء، وها نحن مرة أخرى نبحر في المياه ونجاور هدير أمواجه مجدداً، ولم نكن مجرد سياح فحسب، بل كنا جزءاً لا يتجزأ من عملية تنقيب الآلئ وتسويتها، وقد حرصنا كل الحرص على أن يكون لنا من #الياقوت_النفيس الحظَ الأوفرَ والنصيبَ الأوفى، ولسنا للبيع نعرضه وإن أعوزنا الفقر أو ألجأتنا الحاجة إليه، فكان لنا منه ما أردنا٠

نمنا تلك الليلة كعادتنا بعد كل رحلةٍ شاقّةٍ، وقد زاد الطمع وكبرت فينا رغبة الاستيلاء على أكبر كميّات ممكنة من الجواهر النفيسة، وبدأنا نسأل المختصين عن أغلى الجواهر وأَنْفَسَها، فتواطأت أقوالهم على جوهرة يسمّونها #صفوة_الزبد قالوا منقوش على متنها:

وبعد هذي زبد نظمتها
أبياتها ألف بما قد زدتها

يسهل حفظها على الأطفال
نافعةٌ لمبتدي الرجال

فمن ظفر بها، وحفظها في حرز مثلها فاز، وكل الجواهر تتجسد في كنهها عند التأمل فيها، وقد تغني عن غيرها إن ضم #إفادة_العمد” إليها٠

واصلنا رحلتنا وسلكنا طريقا معبّداً يعبر من خلاله آلاف السياح سنوياً واسمه #عمدة_السالك واستمتعنا بالمناظر الخلابة المحيطة به من كل جانب، وزادتنا الأجواء السحرية إيماناً بسلامة وصولنا إلى مبتغانا، فانتهى بنا إلى سوق كبير للجواهر اسمه #تحرير_تنقيح_اللباب وفيه تصقل المعادن وتنقح منها الشوائب، ومن أعجب ما رأينا فيه دقة تنظيم أهله في تبادل التجارة وتفننهم في تسويق البضاعة وترويجها!!

نحن الآن على مشارف #المنهاج أعرق الأماكن السياحة وأعظمها قدراً في نفوس السياح، لذا قال شاعرهم:

يا ناهجاً منهاج غير ناسك
دقّت دقائق فكره وحقائقُه

بادر لمحيي الدين فيما رمته
يا حبّذا منهاجه ودقائقُه

نعلم يقيناً أن زيارةً خاطفةً كهذه لا تروي غليل السُياح ولا تشفي عليلهم، بل الإقامة الدائمة فيه هي وحدها تسدُّ حاجتهم إليه، وحسبنا أن الرحلة _في هذه المرة_ استطلاعية تصويرية بحتة يُبنى عليها ما بعدها، وستتلوها رحلات يكون الهدف منها الاستيطان والاستقرار بإذن الله٠

وقبل إن نغادر هذا المَعْلم التاريخي العريق، قيل لنا: ثَمَّ مَعْلم آخر فيه آثار مدارس قديمة تخرّج منها آلاف العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، واسم بانيها #المزني ورغم صغر حجمها وتقارب جدرانها إلا أنها صنعت العظماء وصدّرتهم للعالم ليغيروا مجرى تاريخه٠

وأخيراّ حطيّنا رحلنا على مَعْلم #الأم التاريخي ومأوى أفئدة السياح، وعلى بابه مكتوب: من هنا عبر العظماء٠

Share This:

عن قراءات صومالية (التحرير)

قراءات صومالية (التحرير)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *